الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٦٠ - إذا مات النائب بعد الاحرام وقبل دخول الحرم فهل يجزئ عن المنوب عنه أو لا
وكون الإحرام من أفعال الحجّ لا شك فيه ، إلاّ أنه لا ملازمة بين كون الشيء من أفعال الحجّ وكونه من المناسك ، وكذا الحلق والتقصير في الحجّ والعمرة ، والقدر المتيقن ممّا يعدّ من مناسك الحجّ هو غير الاحرام والحلق والتقصير ، فلم يثبت كون هذه الثلاثة من المناسك ، بل الثابت عكسه وهو ما دل من الروايات على أن من نسي الاحرام للحجّ حتى رجع إلى بلاده من قوله ٧ : « إذا كان قضى مناسكه كلها فقد تمّ حجّه » وقوله ٧ : « لا يجب عليه الحلق حتّى يقضي المناسك » وقوله ٧ : « إني لما قضيت نسكي للعمرة اتيت أهلي ولم أقصر » ، « بحوث في شرح مناسك الحجّ ٨ : ٥٠٦ - ٥٠٧ » .
فهو من الغرابة بمكان ، فإن ممّا لا شك فيه إن الإحرام الذي هو بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة وكذا الحلق أو التقصير الذي هو بمثابة السلام فيها من النسك حتى لو فرض أن النسك لم يكن موضوعاً لها ، فإن مما لا شك فيه أنه استعمل فيها عند المتشرعة وعلى لسان الأئمّة : أيضاً بحد لا يكون صدقه عليها إلاّ بنحو الحقيقة جزماً ، بل يستنكر ولا يصح جزماً سلب النسك عنه ، وفي مجمع البحرين « واستعمل ] أي النسك [ في العبادة ، وقد اختص بأفعال الحجّ ومنه إذا فرغت من نسكك فارجع فإنه أشوق لك إلى الرجوع ، قوله : « فإذا قضيتم مناسككم » أي الأفعال الحجيّة ومناسك الحجّ عباداته . . » مجمع البحرين مادة نسك . وفي لسان العرب : « قد تكرر ذكر المناسك والنُسك والنسيكة في الحديث ، فالمناسك جمع مَنسَك ومَنسِك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان ، ثمّ سميت اُمور الحجّ كلها مناسك . . . » لسان العرب ١٤ : ١٢٧ - ١٢٨ مادة نسك . فانكار كون الاحرام والتقصير أو الحلق من النسك كانكار كون تكبيرة الاحرام والسلام من الصلاة .
وأما قوله والقدر المتيقن . . إلخ فأي شيء ليس له قدر متيقن ؟ وهل هذا يمنع من صدق النسك على الاحرام والتقصير أو الحلق .
وأما ما استشهد به على عدم كون الإحرام من النسك فهو أغرب وأحرى بأن لا ينظر إليه ، فان دلالته على كون الاحرام والحلق أو التقصير من النسك أوضح من أن تخفى ، بالنظر إلى ما قاله أهل اللغة ، ومن حيث اطلاقهم : النسك على أفعال الحجّ ، واستفادة المعنى عند أهل العرف في زمانهم : من حاق اللفظ أيضاً ، بل اطلاقه ٧ النسك على الاحرام أيضاً في قوله ٧ : « لا يجب عليه الحلق حتّى يقضي المناسك . . . » ، وفي قوله ٧ : « لما قضيت نسكي للعمرة . . . » وعلى الحلق والتقصير أيضاً في قوله ٧ : « إذا قضى مناسكه كلها فقد تمّ حجّه » بل ومن جهات اُخرى أيضاً لا مقتضي لذكرها ، فكيف يكون شاهداً على أنها ليس منها ؟
ثمّ إن استعمال « يقضي » قبل الشروع بالعمل أيضاً كما في قولك مات فلان قبل أن يقضي دينه ونحوه مما كانت فيه القرينة ظاهرة في كون هذا الاستعمال مجازياً لا يكون دليلاً على أن يقضي ليست بمعنى الاتمام والانهاء الذي هو معناه اللغوي ، قال السيد الاُستاذ « القضاء لغة بمعنى الانهاء ، وقد استعمل ذلك في القرآن المجيد في عدّة موارد ، منها قوله تعالى : ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِى الاَْرْضِ ) الجمعة : ١٠ ، ومنها قوله تعالى : ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ) الحج : ٢٩ ، ومنها قوله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَكَهَا ) الأحزاب : ٣٧ وغير ذلك . وكذا في العرف ، فيقال : قضى عليه أي قتله ، أو قضى نحبه ، أو قضى دينه ، وكل ذلك بمعنى الانهاء والاتمام . وأما القضاء باصطلاح الفقهاء فهو عبارة عن فصل الخصومة . . . وليس من البعيد أن يكون هذا المعنى داخلاً في المعنى اللغوي