مجموع بلدان اليمن وقبائلها - الحجري اليماني، محمّد بن أحمد - الصفحة ٤١ - حرف الألف
فاذا المسألة الأولى قد عادت كما بدأت ، وإذا كؤوس الجفون من الدموع قد ملئت ، فما أدري أي الليالي أغرب ، ولا من أي شيء منها أعجب ، هل من المنثورة من عينيه وكلامه ، أم من المنظومة التي يجلوها عند ابتسامه ، فذكرت عند ذلك قول البحتري ، وهذه الرواية صادقة لم أكن لها بالمفتري : ـ
| ولما التقينا والتقى موعد لنا | تعجب رائي الدر منّا ولا قطه | |
| فمن لؤلؤ يجلوه عند ابتسامه | ومن لؤلؤ عند الحديث يساقطه |
فلما سمع ذلك الراعي الشيطان المريد ، قال اسمعوا هذا العقد الفريد ، فانه لا يصلح إلا لمثل هذا الجيد :
| إنّا على ما سرّنا منهم | وساءنا والله نهواهم | |
| لا نعرف الحق ولا بعضه | إن نحن في الأعراض لمناهم | |
| قد ألفوا الأعراض عنّا وما | كذلك كنّا قد عهدناهم | |
| حاشاهم أن يجتنى منهم | حتى التجني المرّ حاشاهم | |
| عقودهم والزهر والزهر قد | أضحت سواء وثناياهم | |
| جلّوا عن المدح فماذا عسى | نقول فيهم إن مدحناهم | |
| بالبدر والنجم وشمس الضحى | نظلمهم إن نحن قسناهم | |
| نستعمل الايجاز في وصفهم | فغاية الوصف هم ما هم |
فقال يا عجباه من هذا الراعي البوال على عقبيه فما والله كان يخطر ببالي أن ذلك يخرج من بين شفتيه ، ولا شك أن المرء بأصغريه ولقد أدركت في بدني خفة ، وحصلت بين قلبي وبين السرور إلفة ، وطلع لي بدر الأنس بغير كلفة فقلت له : قد جئت بتورية من غير شعور ، فإن الكلفة قد عزمت من شأن البدور فتبسم ضاحكا وقال : ما برحت في نهج البلاغة سالكا ولا زمّة الفصاحة مالكا فانظم هذه الظريفة واجعلها في أبيات لتكون على السمع خفيفة فقلت مخترعا ولأمره مستمعا :
| بين قلبي وبين قلبك إلفة | اشبهت رقة النسيم ولطفه | |
| من وعاها بسمعه أدركته | هزّة واعترته في الحال خفة | |
| ولقد زادت المودة حسنا | حشمة إن دنا المزار وعفة |