مجموع بلدان اليمن وقبائلها - الحجري اليماني، محمّد بن أحمد - الصفحة ٣٩ - حرف الألف
لجة ذلك الماء راكب على الفلك فقلت : (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) وواها لما بقي من المهجة واها ، وعلمت بصحة القيافة أنه غصن من أغصان شجرة الخلافة.
فاني لم أكن قد أثبته معرفة فلما قرب مني قاربت الموصوف الصفة ، وتبين أنه من لا أسميه إجلالا وتكرمة والبدر الذي به نفس السيادة مغرمة وإذا ذلك الراعي يترنّم بمطلع الشعر الذي تقدم :
| لله أحباب عرفناهم | لما رأيناهم بسيماهم | |
| إنا رأينا السعد قد أشرقت | نجومه حين رأيناهم | |
| وقد لقينا كلما تشتهي | نفوسنا يوم لقيناهم | |
| رقّوا وراقوا فوحقّ الهوى | لو استطعنا لشربناهم |
فلما رآني الفتى قال لي ، وهو مبتسم : متى جئت متى؟ ـ فأخبرته بالخبر اليقين فقال : أدخلوا مصر إن شاء الله آمنين ، وكان قد سمع الراعي وهو يتغنى بهذه الأبيات فقال أعدها عليّ فأعدتها له ثلاث مرات ، فصفق بيديه ، وخرّ مغشيا عليه ، فنضحته بشيء من الماء ، وعوذته بالرقى والأسماء ، فلما رجع عليه حسّه ، واطمأنت نفسه ، وتأكدني أنسه ، أخذت أعلله برقايق الأخبار ، وأسليه بمحاسن الأشعار وأريه تلك الربا التي ضحكت فيها الأزهار ، وبكت عليها الأمطار ، وتجاوبت ما بينها الأطيار ، وطابت فيها الأصال والأسحار ، فما كان أسرع ما أنشد الراعي وكأنه قصد إسماعه وإسماعي فقال : ـ
| ما كان عن هذا وهذا وذا | أغنى المحبين وأغناهم | |
| يا ليتنا عن مهجات لنا | مشوقة غابت سألناهم | |
| فإنها يوم النوى فارقت | صدورنا تحذوا مطاياهم | |
| لقد عدمناها ، ورب السماء | والأرض من يوم عدمناهم | |
| سقيا ورعيا لهم ما غدت | قلوبنا تزهو بلقياهم |
فقال حين سمعها : الحمد لله وحده ، اللهمّ عجّل بالفرج بعد هذه الشدة وإعترته حينئذ هزة ، وكاد يمزق ما عليه من البزة ، وندمت على