الميزان في تفسير القرآن - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٥٣ - كلام في معنى وجوب الفعل وجوازه وعدم جوازه على الله سبحانه
قدرنا ثم اعترض على أخذ القدر بمعنى المقدار بأن المعروف من القدر بهذا المعنى هو ما كان بسكون الدال لا بفتحها وفيه أن القدر والقدر بسكون الدال وفتحها ـ كما صرحوا به كالنعل والنعل بمعنى واحد. على أن القدر بمعنى المقدار كما قدمناه ـ أكثر ملاءمة للسياق أو متعين. وذكر لمجيئه على مقدار بعض معان أخر وهي سخيفة لا جدوى فيها.
وختم ذكر المن بنداء موسى عليهالسلام زيادة تشريف له.
قوله تعالى : « وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي » الاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الإحسان ـ على ما ذكروا ـ يقال : صنعه أي أحسن إليه واصطنعه أي حقق إحسانه إليه وثبته فيه ، ونقل عن القفال أن معنى الاصطناع أنه يقال : اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال : هذا صنيع فلان وخريجه. انتهى.
وعلى هذا يئول معنى اصطناعه إياه إلى إخلاصه تعالى إياه لنفسه ويظهر موقع قوله : « لِنَفْسِي » أتم ظهور وأما على المعنى الأول فالأنسب بالنظر إلى السياق أن يكون الاصطناع مضمنا معنى الإخلاص ، والمعنى على أي حال وجعلتك خالصا لنفسي فيما عندك من النعم فالجميع مني وإحساني ولا يشاركني فيك غيري فأنت لي مخلصا وينطبق ذلك على قوله : « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً » مريم : ٥١.
ومن هنا يظهر أن قول بعضهم : المراد بالاصطناع الاختيار ، ومعنى اختياره لنفسه جعله حجة بينه وبين خلقه كلامه كلامه ودعوته دعوته وكذا قول بعضهم إن المراد بقوله : « لِنَفْسِي » لوحيي ورسالتي ، وقول آخرين : لمحبتي ، كل ذلك من قبيل التقييد من غير مقيد.
ويظهر أيضا أن اصطناعه لنفسه منظوم في سلك المنن المذكورة بل هو أعظم النعم ومن الممكن أن يكون معطوفا على قوله : « جِئْتَ عَلى قَدَرٍ » عطف تفسير.
والاعتراض على هذا المعنى بأن توسيط النداء بينه وبين المنن المذكورة لا يلائم كونه منظوما في سلكها ـ على ما ذكر الفخر الرازي في تفسيره ، ـ فالأولى جعله تمهيدا لإرساله إلى فرعون مع شركة من أخيه في أمره.
وفيه أن توسيط النداء لا ينحصر وجهه فيما ذكر فلعل الوجه فيه تشريفه بمزيد