بداية المجتهد و نهايه المقتصد - ابن رشد - الصفحة ٣٨٩ - الباب السادس في وقت القضاء
الشئ من يده أن يخاصم فله أن يرجع بثمنه على البائع ، وإن كان يحتاج في رجوعه به على البائع أن يوافقه عليه فيثبت شراءه منه إن أنكره ، أو يعترف له به إن أقره فللمستحق من يده أن يأخذ الشئ من المستحق ويترك قيمته بيد المستحق . وقال الشافعي : يشتريه منه . فإن عطب في يد المستحق فهو ضامن له ، وإن عطب في أثناء الحكم : ممن ضمانه ؟ اختلف في ذلك ، فقيل : إن عطب بعد الثبات فضمانه من المستحق وقيل : إنما يضمن المستحق بعد الحكم . وأما بعد الثبات وقبل الحكم فهو من المستحق منه ، قال القاضي رضي الله عنه : وينبغي أن تعلم أن الاحكام الشرعية تنقسم قسمين : قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا الكتاب هو داخل في هذا القسم ، وقسم لا يقضي به الحكام ، وهذا أكثره هو داخل في المندوب إليه . وهذا الجنس من الاحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما يذكره الفقهاء في أواخر كتبهم التى يعرفونها بالجوامع ، ونحن فقد رأينا أن نذكر أيضا من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله تعالى . وأما ما ينبغي قبل هذا أن تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية ، فمنها ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره ، وفي هذا الجنس تدخل العبادات . وهذه هي السنن الكرامية ، ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى عفة وهذه صنفان : السنن الواردة في المطعم والمشرب ، والسنن الواردة في المناكح ، ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور . فهذه هي أجناس السنن التي تقتضي العدل في الاموال ، والتي تقتضي العدل في الابدان ، وفي هذا الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات . لان هذه كلها إنما يطلب بها العدل ، ومنها السنن الواردة في الاعراض ، ومنها السنن الواردة في جميع الاموال وتقويمها ، وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء ، وتجنب الرذيلة التي تسمى البخل . والزكاة تدخل في هذا الباب من وجه ، وتدخل في باب الاشتراك في الاموال ، وكذلك الامر في الصدقات . ومنها سنن واردة في الاجتماع الذي هو شرط في حياة الانسان وحفظ فضائله العملية والعلمية ، وهي المعبر عنها بالرياسة ، ولذلك لزم أيضا أن تكون سنن الائمة والقوام بالدين . ومن السنة المهمة في حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة والبغضة والتعاون على إقامة هذه السنن ، وهو الذي يسمى : النهي عن المنكر والامر بالمعروف ، وهي المحبة والبغضة : أي الدينية التي تكون إما من قبل الاخلال بهذه السنن ، وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة . وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما شذ عن الاجناس الاربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة وفضيلة السخاء ، والعبادة التى هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل . كمل كتاب الاقضية ، وبكماله كمل جميع الديوان ، والحمد لله كثيرا على ذلك كما هو أهله .