الصحوة - البيّاتي، صباح - الصفحة ٥٢
والاُدباء - مع العلم أنه واحد من المفسرين- ومستنده في ذلك أن غير الطبري من المؤرخين قد أوردوا الروايات التي تسيء الى الصحابة، ويخص بالذكر منهم ابن قتيبة، متهماً إياه بالجهل، مع أن ابن قتيبة من كبار العلماء، والمسعودي المؤرخ والذي يصفه بالمحتال المبتدع، وسوف يتبين للقارئ فيما بعد أن ابن العربي يعتمد اعتماداً شبه كلّي على روايات الطبري في اُطروحاته التاريخية في كتابه الآنف الذكر، لكنه يعتمد كلياً على روايات معينة ينتقيها من هذا التاريخ، لأن الطبري - وإن كان يجامل الرأي العام كثيراً- إلاّ أننا سوف نتبين أنه قد أورد الكثير من الروايات التي أورد مثلها ابن قتيبة والمسعودي وغيرهما من المؤلفين، لكن ابن العربي تجنبها -كما فعل الكثيرون غيره من القدامى والمعاصرين- لأن تلك الروايات تمس كرامة السلف على حد تعبيرهم، وبذلك يكون ابن العربي من أوائل الذين دعوا الى تمحيص التاريخ الإسلامي وغربلته، ولكن بالاتجاه المحافظ الذي يرتئيه هو.
إن المشكلة التي تثار دائماً حول التاريخ الإسلامي تتركز في الغالب على النقطة الحساسة في هذا التاريخ، ألا وهو الجانب السياسي، والخلاف الذي وقع بين المسلمين في وقت مبكر، والذي أدى في النهاية الى الصدام الدموي بينهم في ذلك العهد الذي اُصطلح على تسميته بعصر صدر الإسلام، وأن اشتراك الصحابة في أجزاء من ذلك الصراع هو محور المشكلة، والدعوات ذات الطابع المحافظ لتصحيح التاريخ الإسلامي، إنما تدّعي الحرص على تبرئة الصحابة مما وقع من خلاف سياسي انسحب أثره على مواقف ذلك السلف، لأن "التاريخ السياسي للمسلمين، هو أسوأ ما في تاريخهم كله"[١].
[١] كيف نكتب التاريخ. محمّد قطب: ١٦.