سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٦
هنا يدخل السيد هاشم في عملية البحث الجادّ من طريق رصده الاستقصائي لحركة الفعل ورد الفعل التاريخيين، أي المعبّرين عن حركة الصراع الاجتماعي في السطح و في العمق ... بهذه المنهجية الواقعية، ذات النض التاريخي، يؤسس للبحث الاقتحامي في المبادئ العامة للفقه الاسلامي الجعفري. و حين يصل الى هذه المبادئ ذاتها بالتحديد و التعيين، نجده قد أكمل عملية التأسيس، بحيث أصبحت كل المبادئ العامة هذه محكومة بالمبدإ الاساس: مصلحة المجتمع ... نرى ذلك يتجلى- مثلا- بمبدإ تحريم الاحتكار ... يقول السيد هنا إن الفقه الاسلامي الجعفري قد تعرّض الى كل ما يتصل بحياة الانسان و يضمن له الراحة و السعادة» ... ثم يبادر الى وضع اعتراض يتعلق بنظرية الحرية آتيا من الفئات الاجتماعية التي يضر مبدأ تحريم الاحتكار بمصلحتها، أي فئات التجار الاحتكاريين. و الاعتراض هو أن مبدأ تحريم الاحتكار يتنافى مع مبدأ تشريعي آخر يقول بحق كل انسان في حرية التصرف بنفسه و بماله ...
السيد هاشم يدفع هذا الاعتراض بأنه «إن كان الاسلام يعلن أن للانسان حرّيته على نفسه و ماله، هو- من جهة أخرى- يحد من حريته و سلطته على ماله و تصرفاته حين تكون هذه الحرية «مزاحمة لحقوق الآخرين في الحياة»، و هو- أي الاسلام- ينكر أشد الانكار أن يندفع بعض الافراد بدافع من أنانيتهم و شرههم الى استغلال الغير و الاثراء من أقوات الشعب و ضرورياته ... من أجل ذلك نهى الاسلام عن الاحتكار، و حدد موقف التجار من الاسواق»
و انطلاقا من موقف الدقة في البحث، و من موقف الورع الفقهي، حرص السيد على تحديد المفهوم التشريعي الاسلامي للاحتكار .. فإذا هو يحدده على النحو الآتي: ... «أن يقوم فرد أو جماعة بشراء نوع من الحاجيات التي هي في معرض الاستهلاك، و بعد شرائها ينتظر في بيعها الربح الفاحش، مما يؤدي الى ايقاع الضرر بالمستهلكين، و على الاخص الطبقات الفقيرة»
على أن هناك اختلافا في الحكم بالاحتكار يرجع الى اختلاف في تقدير نسبة حاجة الناس الى المادة المحبوسة عنهم، و مبلغ تأثير احتكارها على الحالة