سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٢

«.. و في عقيدتي أن هؤلاء الذين حاولوا أن يجعلوا من العرب في جاهليتهم الأولى و الثانية لا تشبه إلا الوحوش الضارية في متاهات الأحراش و الغابات، قد تخطّوا الواقع في احكامهم الى حدود الجور، و بالغوا في تجريحهم الى حدود الغلوّ و الاسراف، ذلك لأن الباحث في تاريخهم لا يجد اكثر من بعض الفوارق بينهم، و بين غيرهم من الأمم كالفرس و الرومان و غيرهما» .. و هنا ينسب السيد تلك الفوارق القليلة الى «طبيعة الصحراء القاسية» من حيث كونها لا توفر لسكانها اسباب الاستقرار التي تستدعي التطور الحضاري .. ثم يتجاوز هذا العامل الطبيعي السلبي ليعرض مقابل ذلك جملة من العوامل الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الدينية التي كانت عوامل ايجابية ساعدت عرب ما قبل الاسلام على الدخول في ظروف التطور و الاستفادة من اشكال التطور الحضاري الشائعة وقتئذ في العالم المحيط بهم و المتعامل معهم ...

يستوقفنا هنا، خلال هذا النقاش الصدامي، أمران اثنان: أولهما، تصدي السيد هاشم معروف للردّ على ذلك الموقف الاعتباطي «اللاتاريخي» حيال عرب ما قبل الاسلام .. و أهمية المسألة هنا أن التصدي للردّ على هذا الموقف يأتي هذه المرة من موقعه الاسلامي نفسه، لا من موقعه القومي، فالسيد هاشم معروف يردّ هنا كمسلم مؤمن بالاسلام حقا و صدقا. و هو من هذا الموقع ذاته يتصدى لدفع تلك الخدعة الشائعة عن تاريخ العرب و تاريخ الاسلام كليهما .. فإن عرب ما قبل الاسلام هم انفسهم عرب الاسلام، و تاريخ هؤلاء هو الجزء الاساس من تاريخ الاسلام ..

أما ثاني الأمرين، فهو ان موقف السيد هاشم معروف هنا، ينهض على قاعدة صلبة راسخة تستمد صلابتها و رسوخها من كونها منطلقا صحيحا للتوجه نحو البحث العلمي ... في هذا «التمهيد» لكتاب «سيرة المصطفى» يبرز السيد هاشم باحثا يملك الاداة المعرفية و الفهم العلمي للبحث بمنهجية واقعية، و يأخذ بهذه المنهجية بالفعل، و يرفض الأخذ بالأوهام و التصورات الذاتية في قراءة التاريخ .. نجد هذه المنهجية الواقعية متبلورة بصفاء حين هو يأخذ، على مدى عشر صفحات من هذا «التمهيد» في تحليل الواقع التاريخي لحياة العرب قبل‌