الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٧٩٨


واحتج بعضهم بأن قال : روي عن عمر أنه قال : إني لأستحي من الله عز وجل أن أخالف أبي بكر .
قال أبو محمد : وهذا يبطل من خمسة أوجه : أولها : أن هذا حديث مكذوب محذوف ، لا يصح منفردا هذا اللفظ كما أوردوه ، وإنما جاء بلفظ إذا حقق فهو حجة عليهم ، وسنورده عند الفراغ بذكر حججهم ، ثم الابتداء بالاحتجاج عليهم في هذا الباب إن شاء الله تعالى .
والثاني : أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يجهله من له أقل علم بالروايات ، فمن ذلك خلافه إياه في سبي أهل الردة ، سباهم أبو بكر ، وبلغ الخلاف عن عمر له أن نقض حكمه في ذلك ، وردهن حرائر إلى أهليهن إلا من ولدت لسيدها منهن ، ومن جملتهن كانت خولة الحنفية أم محمد بن علي .
وخالفه في قسمة الأرض المفتتحة ، فكان أبو بكر يرى قسمتها ، وكان عمر يرى إيقافها ولم يقسمها .
وخالفه في المفاضلة أيضا في العطاء ، فكان أبو بكر يرى التسوية ، وكان عمر يرى المفاضلة وفاضل .
ومن أقرب ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع ، ثنا عمر بن عبد الملك ، ثنا محمد ابن بكر ، ثنا سليمان بن الأشعث ، حدثنا محمد بن داود بن سفيان ، وسلمة بن شبيب قالا : ثنا عبد الرزاق ، ثنا معمر عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : قال عمر :
إني إن لا أستخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف ، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف . قال ابن عمر : فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا . وأنه غير مستخلف .
قال أبو محمد : فهذا نص خلاف عمر لأبي بكر فيما ظن أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد خالفه في فرض الجد ، وفي غير ذلك كثيرا بالأسانيد الصحاح ، المبطلة لقول من قال : إنه كان لا يخالفه .
والثالث : أن هذا لو صح كما أوردوه وموهوا به - وهو لا يصح كذلك - لكان غير موجب لتقليد مالك وأبي حنيفة ، ولا يتمثل في عقل ذي عقل ، إن في