الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٦٩٧ - الباب الحادي والثلاثون في صفه التفقه في الدين ، وما يلزم كل امرئ طلبه من دينه ، وصفته المفتى الذين له أن يفتى في الدين ، وصفة الاجتهاد الواجب على أهل الإسلام
وكل ما سمي اجتهادا من غير ما ذكرنا فهو باطل وإفك ، وزين بأن سمي اجتهادا كما سمي اللديغ سليما ، والمهلكة مفازة ، والأسود السخامي أبا البيضاء والأعمى بصيرا ، وكما سمى قوم المسكر نبيذا ، وطلاء وهو الخمر بعينها ، ويبين ما قلنا قوله صلى الله عليه وسلم : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران أو كما قال صلى الله عليه وسلم .
واعتراضها ههنا أمر نحتاج إلى تفسيره لغلط أكثر الناس فيه ، وهو إيقاع اسم الحفظ واسم العلم واسم الفقه ، على كل ما يستحق شيئا من هذه الأسماء ، لأنها أسماء واقعة على صفات متغايرة ، فوجب بيانها ، فنفسر ذلك في علم الشريعة التي عرضنا في ديواننا هذا الكلام فيها ، وبالله تعالى التوفيق ، وبه عز وجل نتأيد لا إله إلا هو ، فنقول وبالله تعالى نستعين :
الحفظ : اسم واقع على وصفه المرء ، وهي ذكره لأكثر سواد ما صنف وجمع ، وذكر في علمه وغرضه الذي قصد كحافظ سواد القرآن ، وحافظ سواد الحديث ونصوصه ، أو حافظ نصوص مسائل مذهبه الذي يقصد وينتحل .
فهذا معنى الحفظ .
وأما اسم العلم : فهو واقع على صفة في المرء ، وهو اتساعه على الاشراف على أحكام القرآن ، وروى الحديث صحيحه وسقيمه فقط ، فإن أضاف إلى ذلك الوقوف على أقوال الناس ، كان ذلك حسنا ، كلما اتسع باع المرء في هذه المعاني زاد استحقاقه لاسم العلم ، وهكذا في كل علم من العلوم ، ويكون مع ذلك ذاكرا لأكثر ما عنده ، وليس هذا حقيقة معنى لفظة العلم في اللغة ، لكنه معناه في قولهم : فلان عالم ، وفلان أعلم من فلان .
وأما تفسير لفظة العلم في اللغة فقد فسرناه في كتابنا هذا ، وفي كتابنا الموسوم بالفصل .
وأما اسم الفقه : فهو واقع على صفة في المرء ، وهي فهمه لما عنده ، وتنبهه على حقيقة معاني ألفاظ القرآن والحديث ، ووقوفه عليها ، وحضور كل ذلك في ذكره متى أراده ، ويزيد القياسيون علينا ههنا زيادة وهي : معرفته بالنظائر في