رسالة الطير - ابن سينا - الصفحة ٥
دهشنا دهشا عاقنا عن الشكوى فوفق على ما غشينا فردّ علينا الثبات بتلطّفه حتّى اجترانا على مكالمته و عبّرنا بين يديه عن قصتنا.
فقال لن نقدر على حلّ الحبائل عن ارجلكم إلا عاقدوها و انّى منفّد اليهم رسولا يسومهم ارضاءكم و اماطة السّوء عنكم فانصرفوا مغبوطين و هوذا نحن فى الطريق مع الرّسل.
و اخوانى متشبّثون بى يطلبون منّى حكاية بهاء الملك بين ايديهم و سأصف و صفا موجزا.
فاقول
انّه الملك الّذي مهما حصّلت فى خاطرك جمالا لا يمازجه قبح و كما لا يشوبه نقص صادقة مستوفى لديه فكلّ كمال بالحقيقة له و كلّ نقص و لو بالمجاز منفى عنه كلّه لحسنة وجه و لجوده يد
من خدمه فقد اغتنم السّعادة القصوى و من صرمه خسر الآخرة و الدنيا و كم من اخ قرع سمعه قصّتى فقال اراك مسّ عقلك مسّ او ألمّ بك لمم و لا و اللّه ماطرت بل طار عقلك و ما اقتنصت بل اقتنص لبّك
انّى يطير البشر او ينطق الطير كأنّ المرار قد غلب على مزاجك و اليبوسة قد استولت على دماغك و سبيلك ان تشرب طبيخ الأفتيمون و يتعهّد الاستحمام بالماء العذب الفاتر و تستنشق بدهن النيلوفر تترفّه فى الاغذيه و تهجر السّهر و تقلّ الفكر فانا قد عهدناك فيما خلا لبيبا
و اللّه مطّلع على ضمائرنا فانّا من جهتك مهتمة و لاختلال حالك مختلّة ما اكثر ما يقولون و اقلّ ما ينجع و شرّ المقال ما ضاع و بالله الاستعانة و عن النّاس البراءة و من اعتقد غير هذا خسر و سيعلم الّذين ظلموا اىّ منقلب ينقلبون.
و قد تمّت رسالة الطير للشيخ الرّئيس ابى على بن سينا رحمة الله و غفر له فى جمادى الاوّل سنة سبع و تسعين و ثمانمائة.