رسالة الطير - ابن سينا - الصفحة ٤
قال بعضنا لبعض هل لكم فى الجمام فقد أوهننا النّصب و بيننا و بين الاعداء مسافة قاصية فرأينا أن نحطّ للجمام من ابداننا نصبا فان الشرود عن الرّاحة اهدى الى النّجاة من الانبتات فوقفنا على قلّته
فاذا جنان مخضّرة الأرجاء عامرة الاقطار مثمرة الأشجار جارية الأنهار يروى بصرك نعيمها بصور تكاد لبهائها تدهش العقول و تستبهت الالباب و يسمعك أغاني شجيّه و الحانا مطربة و يشمّك روائح لا يدانيها و المسك السرىّ و لا العنبر الطّرى فأصبنا من ثمارها و شربنا من انهاره و مكثنا به ريث ما اطرحنا الاعياء.
فقال بعضنا لبعض سارعوا فلا مخدعه كالأمن و لا منجاة كالاحتياط و لا حصن أمنع من اساءة الظّنون و قد امتدّ بنا المقام بهذه البقعة على شفا غفله و وراءنا أعدائنا و آثارنا اقدامنا و يتفقّدون مقامنا فهلموا نبرّح و نهجر هذه البقعه. و ان طاب الثواء بها فلا طيب كالسّلامة و اجمعنا على الرّحلة و انفصلنا عن النّاحيه و نزلنا بالثّامن فاذا شامخ خاض رأسه عنان السّماء
تسكن جوانبه طيور لم التي اعذب الحانا و أحسن ألوانا و أظرف صورة و أطيب عشرة منها
و لمّا حللنا فى جوارها عرفنا من احسانها و تلطفها و ايناسها ايادى لن تقى بقضاء اهونها و لمّا تقرّر بيننا و بينها الانبساط أوقفناها على ما ألمّ بنا فاظهرت المساهمة فى الاهتمام
و ذكرت ان وراء هذا الجبل مدنية يتبوؤها الملك الأعظم و اىّ مظلوم استعداه و توكّل عليه كفّ عنه الضراء بقوته و معونته فأطمأننّا إلى اشارتها و تيممنا مدينة الملك حتّى حللنا بفنائه منتظرين لاذنه فخرج الامر بأذن الواردين
و ادخلنا قصره فاذا نحن بصحن لا نصحن وصف رحبه فلمّا عبّرناه رفع لنا الحجاب عن صحن فسيح مشرق فاستضقنا لديه الاوّل بل استصغرناه حتّى وصلنا الى حجرة الملك.
فلمّا رفع لنا الحجاب و لحظ الملك فى جماله هقلنا علقت به افئدتنا و