عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٦
الحكمة»، نذكره في إيجاز مرجئين التفصيل إلى حين قيامنا بنشر هذا الشرح الممتاز.
قال الفخر الرازى بعد الديباجة: «كتاب عيون الحكمة كتاب أخباره سطرت في صحائف المفاخر، و كتبت على جبهة الفلك الدائر. و هو في الحقيقة كالصدفة المحتوية على غرر مباحث القدماء، و المحيطة بمجامع كلمات الحكماء. فسألنى بعض الأعزة من الأصحاب، و الخلص من الأحباب، و هو تلميذى الحكيم محمد بن رضوان بن منوجهر ملك شروان- فسر (و في نسخة الاسكوريال: تفسير) مشكلاته و إيضاح معضلاته و التفحص عن كيفية بنيّاته و التصفح لمباديه و غاياته. فأحجمت عنه لأمور: أحدها أن هذا الكتاب درة لم تثقب، و مهرة لم تركب، و لم يتعرض لتحليل تركيباته أحد من الأفاضل، و لم يتسنم لهذا المقصود واحد من الأواخر و الأوائل. فكيف أقدر على سكر مسيل البحر المتلاطم، و سد طريق العارض المتراكم؟! و ثانيها: أنى مخالف لمقتضى هذا الكتاب في دقيقه و جليله، و جمله و تفاصيله.
فان جررت عليها ذيل المهادنة و المداهنة، صرت كالراضى بتوجيه العباد إلى مسالك الغى و الفساد؛ و إن تشمرت للكشف و البيان، وقعت في ألسنة أهل الخزى و الخذلان. و ثالثها هو أن هذا الكتاب- مع أنه في أصله غير مبنىّ على المنهج القويم و الصراط المستقيم- قد اتفقت له آفة أخرى، و هى أنه صغير الحجم و في اعتقاد الجمهور أنه كثير العلم بسبب أن مصنفه في العلم عظيم الاسم. فلهذا السبب عظم حرص الجمهور على معرفة أسراره و معانيه، و قويت رغباتهم في الاطلاع على حقائقه و مبانيه. ثم إن ألفاظ هذا الكتاب وجيزة مختصرة [٢ ا] و المعانى المعتبرة غير مألوفة و لا مشتهرة، و المطالب غير متمايزة بالفواصل المعلومة، و المقاصد غير مبينة بالألفاظ الناصة المفهومة- فلا جرم كل أحد يفسره على وفق رأيه العليل و خاطره الكليل. و إذا تخيلوا أن المراد منه كذا و كذا، فربما أثبتوا تلك الخيالات الفاسدة على الحاشية لظنهم أنه يصير ذلك سببا لإيضاح ذلك الكلام و تحصيل