مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٧٦ - باب ما يفصل به بين دعوى المحق والمبطل
والله لأن أعرف هداك من ضلالتك أحب إلي من الدنيا وما فيها فقال له علي عليهالسلام
وكان عددها خمسمائة مصحف ورفعوا مصحف المسجد الأعظم على ثلاثة رماح مشدودة يمسكها عشرة رهط ونادوا بأجمعهم : الله الله معشر العرب في النساء والبنات ، الله الله في دينكم ، هذا كتاب الله بيننا وبينكم! فاختلف أصحابه عليهالسلام فقالت طائفة : القتال القتال ، وقال أكثرهم : المحاكمة إلى الكتاب ولا يحل لنا القتال وقد دعينا إلى حكم الكتاب ، فقال عليهالسلام : أيها الناس إني أحق من أجاب إلى الكتاب ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي معيط ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، إني أعرف بهم منكم ويحكم إنها كلمة حق يراد بها باطل ، وإنهم رفعوها للخديعة والمكر والوهن ، أعينوني ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعة ولم يبق إلا أن يقطع دابر القوم الذين ظلموا.
فجاء عشرون ألفا من أصحابه عليهالسلام ونادوه باسمه دون أمير المؤمنين : أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت وإلا قتلناك كما قتلنا عثمان! فقال عليهالسلام : ويحكم أنا أول من أجاب إلى كتاب الله وأول من دعا إليه فكيف لا أقبله ، وإنما أقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم وليس العمل بالقرآن يريدون؟ فقالوا : ابعث إلى الأشتر يأتيك فبعث إليه فرجع على كره منه وأكرهوه عليهالسلام على الرضا بالحكمين ، فلما رضي بذلك قطعا للفتنة قال أكثرهم : قد كفر حيث رضي بحكم غير الله ولا حكم إلا لله فوعظهم واحتج عليهم فلم ينفعهم ذلك إلى أن حاربهم في النهروان وقتلوا إلا تسعة منهم هربوا وانتشروا في البلاد ، وبقي آثارهم لعنهم الله إلى الآن.
وقيل : انهزم اثنان منهم إلى عمان ، واثنان إلى كرمان ، واثنان إلى سجستان واثنان إلى الجزيرة ، وأحد إلى تل موزن [١] وأصيب من أصحابه عليهالسلام ثمانية ، وإليه أشار بقوله : مصارعهم دون النطفة لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منهم
[١] قال ياقوت : « تل مَوزَن » ـ بفتح الميم وسكون الواو وفتح الزاي ـ بلد قديم بين « رأس عين » و « سروج » ، وهو بلد قديم يزعم أنّ جالينوس كان به.