مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ١٧٦ - باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين
بكل ما يشتهيه من الشرب والزنا والقتل والقذف وأخذ أموال الناس وغير ذلك وليس له مشقة التكاليف الشرعية والمحسن كالفقير المريض الذي يكون دائما في التعب والنصب ، من التكاليف الشرعية من الإتيان بالمأمورات والانتهاء عن المنهيات ومن قلة المؤنة وتحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقة فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن ، فهو أولى بالإحسان من المحسن ، والعقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب.
الثاني : أن يكون المعنى أنه لو فرض جريان المدح والذم واستحقاقهما واستحقاق الإحسان والإثابة والعقوبة وترتبها على الأفعال الاضطرارية الخارجة عن القدرة والاختيار ، لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن وبالعكس ، لأن في عقوبة المسيء على ذلك التقدير جمع بين إلزامه بالسيئة القبيحة عقلا ، وجعله موردا لملامة العقلاء وعقوبة عليها وكل منهما إضرار وإزراء به وفي أثابه المحسن جمع بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلا ويصير بذلك ممدوحا عند العقلاء ، وإثابته عليها وكل منهما نفع وإحسان إليه ، وفي خلاف ذلك يكون لكل منهما نفع وضرر ، وهذا بالعدل أقرب وذاك بخلافه أشبه.
الثالث : ما قيل إنه إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه ، والمحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه ، ومن لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به ولا يخفى ما فيه.
الرابع : أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا بإحداث اللذات فيه ، فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذوات في النشأتين ، وإذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا وإيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الآخرة أيضا