مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٩٧ - باب التوبة
إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب فيلقى الله حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب.
كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها ، مجرد تركها وعدم العود إليها ، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات فإنه كما يرتفع إلى القلب من كل معصية ظلمة وكدورة كذلك يرتفع إليه من كل طاعة نور وضياء ، فالأولى محو ظلمة كل معصية بنور طاعة تضادها بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة ، ويطلب لكل سيئة منها حسنة تقابلها ، فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة.
فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية ، ويكفر مس خط المصحف محدثا بإكرامه وكثرة تقبيله وتلاوته ، ويكفر المكث في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه وكثرة التعبد في زواياه وأمثال ذلك.
وأما في حقوق الناس فيخرج من مظالمهم أولا بردها عليهم ، والاستحلال منهم ، ثم يقابل إيذاءه لهم بالإحسان إليهم ، وغصب أموالهم بالتصدق بماله الحلال ، وغيبتهم بالثناء على أصل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة ، وعلى هذا القياس يمحو كل سيئة من حقوق الله أو حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها ، كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها ، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه. « ما كتبا عليه » كان النسبة إليهما على التغليب أو لكون كتابة صاحب الشمال بأمر صاحب اليمين كما مر ، وقيل : الوحي إلى الجوارح والبقاع كناية عن محو الآثار التي تدل على المعصية عنهما ، وقيل : المراد بكتمان الجوارح وبقاع الأرض ذنوبه إما نسيانهما كما في الملكين ، أو عدم الشهادة بها ، والأول أظهر ، ويؤيده ما روي من طرق العامة أنه تعالى ينسى أيضا جوارحه وبقاع الأرض ذنوبه ، بل ربما يقال أنه يمحوها عن لوح نفسه أيضا ليكمل استعداده لإفاضة الفيض والرحمة عليه ، ويرتفع عنه الانفعال عند لقاء الرب.