مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - العلامة المجلسي - الصفحة ٣٧٦ - باب محاسبة العمل
من الدهر فإن الدهر طويل قصير فاعمل كأنك ترى ثواب عملك ليكون أطمع لك في الآخرة فإن ما هو آت من الدنيا كما هو قد ولى منها.
وصعوبته والسؤال والحساب فيه ، فأعد له الجواب وحاسب نفسك قبل ذلك ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله بالتفكر في فنائها وسرعة انقضائها ، وكون لذاتها فانية مشوبة بالآلام الكثيرة ، والنظر في عواقب السعداء والأشقياء.
« فإن الدهر طويل قصير » هذه الفقرة تحتمل وجوها : الأول : أن دهر الموعظة طويل لأنه يمكنه أن يعتبر ويتفكر في أحوال السعداء والأشقياء من أول الدهر إلى زمانه فكأنه قد عاش معهم جميعا كما قال أمير المؤمنين في وصية للحسن عليهماالسلام : ودهر العمل واللذات التي فيها قصير.
الثاني : أن الدهر من جهة الموعظة طويل يمكنه الاتعاظ بأقل زمان لأن الدهر دائما في الانقلاب ، ومن جهة العمل قصير ينبغي اغتنام الفرصة فيه.
الثالث : أنه للمحسنين طويل لأنه يمكنهم اكتساب السعادات العظيمة في أقل زمان ، فهم في أعمارهم القليلة يعملون أعمالا كثيرة ، وتبقى منهم آثار جليلة ، وللمسيئين قصير لأنه تفني لذاتهم وتبقى عليهم تبعاتهم ولا ينتفعون بشيء من أعمارهم.
الرابع : أن المعنى أن تمام العمر وإن كان طويلا لكن ما بيده منها قصير ، وهو الساعة التي هو فيها لأن ما مضى قد خرج من يده ، وما يأتي لا يعلم حاله فيه كما مر مرارا ، وقيل : المعنى أنه وإن كان طويلا لكن نظرا إلى انقطاعه قصير.
وأقول : هذه الفقرات سيأتي أمثالها في مناجاة الله تعالى لموسى عليهالسلام في الروضة حيث قال : يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله ، وما أريد به غيري فقليل كثيره وإن أصلح أيامك الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو ، فأعد له الجواب فإنك موقوف به ومسئول ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل