سيره ابن هشام - ت طه عبد الرؤوف سعد - ابن هشام الحميري - الصفحة ٢٢١
وَقَالَ: عليَّ دينُك، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْكَ، وعيالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ. مَا بَقُوا، لَا يَسَعُني شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَير: فَاكْتُمْ شأني وشأنك قال: أفعل.
قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ عُمير بِسَيْفِهِ، فشُحِذ لَهُ وسُمَّ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَدِم الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللَّهُ بِهِ، وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوِّهِمْ، إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْر بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشِّحًا السيفَ، فَقَالَ: هَذَا الْكَلْبُ عدوُّ اللَّهِ عُمَيْر بْنُ وَهْب، وَاَللَّهِ مَا جَاءَ إلَّا لشرٍّ. وَهُوَ الَّذِي حَرَّش بينَنا، وحَزَرنا١ لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ.
ثُمَّ دَخَلَ عُمر عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ عُمَيْر بنَ وَهْب قَدْ جَاءَ متوشِّحًا سيفَه: قَالَ: "فأدخلْه عليَّ"، قَالَ: فَأَقْبَلَ عمر حتى أخذ بحمَّالة سيفه فرط عُنقه فلبَّبه بِهَا، وَقَالَ لِرِجَالٍ مِمَّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ: اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ، ثُمَّ دَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ، قَالَ: "أرسلْه يَا عُمَرُ، ادْنِ يَا عُمير؟ " فَدَنَا ثُمَّ قَالَ: انْعَمُوا صَبَاحًا، وَكَانَتْ تحيةَ أهلِ الجاهليةِ بينَهم، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقد أَكْرَمَنَا اللَّهُ بتحيةٍ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّتِكَ يَا عُمير، بِالسَّلَامِ: تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ". فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إنْ كنتُ بِهَا لحديثُ عَهْدٍ. قَالَ: "فَمَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَيْرُ؟ " قَالَ: جِئْتُ لِهَذَا الْأَسِيرِ الَّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فأحْسنوا فِيهِ، قَالَ: "فَمَا بَالُ السيفُ فِي عُنُقِكَ؟ " قَالَ: قبَّحها اللَّهُ مِنْ سُيُوفٍ، وَهَلْ أغنتْ عَنَّا شَيْئًا؟ قَالَ: "اصدقْني، مَا الَّذِي جئتُ لَهُ؟ " قَالَ: مَا جئتُ إلَّا لِذَلِكَ. قَالَ: "بَلْ قعدتَ أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي الحِجْر، فَذَكَرْتُمَا أصحابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قُلْتُ، لَوْلَا دَيْنٌ عليَّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْتُ حَتَّى أقتلَ مُحَمَّدًا، فَتَحَمَّلَ لَكَ صَفْوَانُ بِدَيْنِكَ وَعِيَالِكَ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ، وَاَللَّهُ حَائِلٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ"، قَالَ عُمَيْر: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ كُنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُكَذِّبُكَ بِمَا كُنْتُ تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْكَ مِنْ الْوَحْيِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلَّا أَنَا وَصَفْوَانُ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاكَ بِهِ إلَّا اللَّهُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانِي للإِسلام وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ، ثُمَّ شَهِدَ شهادةَ الحقِّ. فَقَالَ
١ حرش: أفسد، والحرز: تقدير العدد تخمينا.