النبا العظيم - دراز، محمد بن عبد الله - الصفحة ١٥٣
سنزيدك. وسنوجه نظرك بنوع خاص إلى دقة التعبير القرآني ومتانة نظمه. وعجيب تصرفه، حتى يؤدي لك المعنى الوافر الثري، في اللفظ القاصد النقي، إذ كانت هذه الخاصة الأولى -من الخواص التي ذكرناها- أحوج إلى التوقيف والإرشاد.
ولا تحسبن أننا سنضرب لك الأمثال بتلك الآيات الكريمة التي وقع اختيار الناس عليها وتواصفوا الإعجاب بها. كقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ... } الآية[١]، وقوله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [٢] وأشباههما. بل نريد أن نجيئك بمثال من عُروض القرآن في معنى لا يأبه له الناس ولا يقع اختيارهم على مثله عادة. ليكون دليلًا على ما وراءه.
تطبيق على آية كريمة:
يقول الله تعالى في ذكر حِجَاج اليهود: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [٣].
هذه قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل. والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلي:
١- مقالة ينصح بها الناصح لليهود، إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
٢- إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين.
٣- الرد على هذا الجواب بركنيه، من عدة وجوه.
وأقسمُ لو أن محاميًا بليغًا وكلت إليه الخصومة بلسان القرآن في هذه القضية، ثم
[١] سورة هود: الآية ٤٤. اقرأ إن شئت ما كتبه السكاكي عن هذه الآية في كتابه "مفتاح العلوم" بعد تعريف البلاغة والفصاحة في آخر علم البيان.
[٢] سورة البقرة: الآية ١٧٩. اقرأ ما كتبه عنها المفسرون وما كتبه صاحب "الإتقان" في بحث الإيجاز والإطناب.
[٣] سورة البقرة: الآية ٩١ والآيتان بعدها.