البدهيات في القران الكريم - الرومي، فهد بن عبد الرحمن - الصفحة ٤١

ومنهم من قال إنَّ ذكر الليل على سبيل التأكيد[١].
وذكر الفيروز آبادي قولا لم أجد من قال به سواه, وهو أن المراد بأسرى بعبده سَيَّره[٢] أي سَيَّره ليلاً.
ومع كثرة القائلين بالأول إلا أننا نجد أحمد بن المنير قد تعقب الزمخشري فيما ذهب إليه من أن ذكر الليل بلفظ التنكير لتقليل مدة الإسراء فقال: "وقد قرن الإسراء بالليل في موضع لا يليق الجواب عنه بهذا كقوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [٣], وكقوله تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً} [٤]. فالظاهر والله أعلم أنَّ الغرض من ذكر الليل، وإن كان الإسراء يفيده تصوير السير بصورته في ذهن السامع, وكأن الإسراء لما دل على أمرين: أحدهما السير, والآخر كونه ليلا أريد إفراد أحدهما بالذكر تثبيتا في نفس المخاطب وتنبيها على أنه مقصود بالذكر" [٥].
ولعل فيما ذكرته من أمثلة- وهي قليل من كثير- ما يغني ويكفي في بيان هذا النوع من البدهيات.
وإني لاعتقد أنه لو تصدى أحد لجمع البدهيات اللغوية في القرآن الكريم ودرسها دراسة بلاغية شاملة لجاءت في رسالة علمية عالية مفيدة.


[١] البحر المحيط. ج٦ ص٥. والقاموس المحيط: ص ١٦٦٩. والتحرير والتنوير: ج١٥ ص ١١. وقد علق على هذا بقوله: "على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة" وفي هذا إيحاء إلى ترجيح القول الأول.
[٢] القاموس المحيط الفيروز آبادي ص١٦٦٩.
[٣] سورة هود: الآية ٨١. وسورة الحجر: الآية٦٥.
[٤] سورة الدخان: الآية ٢٣.
[٥] الانتصاف أحمد بن منير حاشية الكشاف للزمخشري ج٢ ص ٧٥٠.