احكام القران للجصاص - ط العلميه - الجصاص - الصفحة ١٧٤
تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الممتحنة: ١٠] ثُمَّ قَالَ: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} [الممتحنة: ١٠] .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِين لِوُجُودِ الْمِلْكِ, إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أبو داود قال: حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَخْبَرْنَا شَرِيكٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً". وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ رُوَيْفِعٍ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: أَمَا إنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول يَوْمَ حُنَيْنٍ: "لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ". قَالَ أَبُو دَاوُد: ذِكْرُ الِاسْتِبْرَاءِ هَاهُنَا وَهْمٌ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ, وَهُوَ صَحِيحٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو داود قال: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةٍ, فَرَأَى امْرَأَةً مُجِحًّا١ فَقَالَ: لَعَلَّ صَاحِبَهَا أَلَمَّ بِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ, قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ, كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ٢ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ". فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تَمْنَعُ مَنْ اسْتَحْدَثَ مِلْكًا فِي جَارِيَةٍ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا إنْ كَانَتْ حَائِلًا, وَحَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا; وَلَيْسَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ اسْتِبْرَاءِ الْمَسْبِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا; إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ: "عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حَيْضَتَيْنِ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ" وَقَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إلَى ذِكْرِنَا الِاسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ, وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِبْرَاءُ بِعِدَّةٍ; لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عِدَّةً لَفَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ مِنْهُنَّ وَبَيْنَ مَنْ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ مِنْهُنَّ; لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ فِرَاشٍ, فَلَمَّا سَوَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَنْ كَانَ لَهَا فِرَاشٌ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاشٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ بِعِدَّةٍ.
١ قوله: "جحا" بضم الميم وكسر الجيم وتشديد الحاء المهملة, أي حاملا دنا وقت ولادتها. "لمصححه".
٢ قوله: "كيف يورثه" إلى آخره أي كيف يجعله ابنا له ويورثهى مع باقي ورثته ولا يحل له ذلك لكونه ليس منه, وقوله: "كيف يستخدمه" أي كيف يجوز له أن يتكملك ويستخدمه استخدام العبيد بعد أن خالطه جزء منه, لأن ماء الوطء ينمي الولد ويزيد في أجزائه, انتهى ملحصا من ابن رسلان شرح أبي داود "لمصححه".