مختصر تفسير البغوي المسمي بمعالم التنزيل - عبد الله الزيد - الصفحة ٦٩٦
تدعو إليه من دينك فَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى جُنُودِهِ.
[٣٨] {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: ٣٨] أَيْ مُؤْمِنِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَائِعِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَ سُلَيْمَانُ بِإِحْضَارِ عَرْشِهَا، فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لِأَنَّ سُلَيْمَانَ عَلِمَ أَنَّهَا إِنْ أَسْلَمَتْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مالها فأراد يَأْخُذَ سَرِيرَهَا قَبْلَ أَنْ يَحْرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ بِإِسْلَامِهَا، وَقِيلَ: لِيُرِيَهَا قدرة الله وَعِظَمَ سُلْطَانِهِ فِي مُعْجِزَةٍ يَأْتِي بِهَا فِي عَرْشِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: لِأَنَّهُ أَعْجَبَتْهُ صِفَتُهُ لَمَّا وَصَفَهُ الْهُدْهُدُ فَأَحَبَّ أَنْ يَرَاهُ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بتنكره وَتَغْيِيرِهِ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ عَقْلَهَا.
[٣٩] {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ} [النمل: ٣٩] وهو المارد القوي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعِفْرِيتُ الدَّاهِيَةُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ - هُوَ الْخَبِيثُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: الْغَلِيظُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ، وَقِيلَ. هُوَ صَخْرَةُ الْجِنِّيِّ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ جَبَلٍ يَضَعُ قَدَمَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرَفِهِ، {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: ٣٩] أَيْ مِنْ مَجْلِسِكَ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ لَهُ كُلَّ غَدَاةٍ مَجْلِسٌ يَقْضِي فيه إلى متسع النهار، {وَإِنِّي عَلَيْهِ} [النمل: ٣٩] أَيْ عَلَى حَمْلِهِ {لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: ٣٩] عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ هذا.
[٤٠] فـ {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل: ٤٠] وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ جِبْرِيلُ. وَقِيلَ: هُوَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ سليمان. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ آصَفُ بن برخيا، وَكَانَ صَدِيقًا يَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّمَا هُوَ سُلَيْمَانُ، قَالَ لَهُ عَالِمٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَفَهْمًا: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: ٤٠] قَالَ سُلَيْمَانُ: هَاتِ، قَالَ أَنْتَ النَّبِيُّ ابْنُ النَّبِيِّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَوْجَهَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْكَ فَإِنْ دَعَوْتَ اللَّهَ وَطَلَبْتَ إِلَيْهِ كَانَ عِنْدَكَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَجِيءَ بِالْعَرْشِ فِي الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: ٤٠] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. يَعْنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْكَ أَقْصَى مَنْ تَرَى، وَهُوَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ مَنْ كَانَ مِنْكَ عَلَى مَدِّ بَصَرِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الشَّخْصُ مِنْ مَدِّ الْبَصَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي إِدَامَةَ النَّظَرِ حَتَّى يَرْتَدَّ الطَّرْفُ خاسئا. قال وَهَبٌ: تَمُدُّ عَيْنَيْكَ فَلَا يَنْتَهِي طَرْفُكَ إِلَى مَدَاهُ، حَتَّى أُمَثِّلَهُ بين يديك {فَلَمَّا رَآهُ} [النمل: ٤٠] يَعْنِي رَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ، {مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} [النمل: ٤٠] مَحْمُولًا إِلَيْهِ مِنْ مَأْرِبَ إِلَى الشَّامِ فِي قَدْرِ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ، {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ} [النمل: ٤٠] نعمه، {أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: ٤٠] فَلَا أَشْكُرُهَا، {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل: ٤٠] أَيْ يُعُودُ نَفْعُ شُكْرِهِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْجِبَ بِهِ تَمَامَ النِّعْمَةِ وَدَوَامَهَا، لِأَنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعْمَةِ الْمَوْجُودَةِ وَصَيْدُ النِّعْمَةِ الْمَفْقُودَةِ، {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ} [النمل: ٤٠] عن شكره {كَرِيمٌ} [النمل: ٤٠] بأفضال على من يكفر نعمه.
[٤١] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: ٤١] يَقُولُ: غَيَّرُوا سَرِيرَهَا إِلَى حَالٍ تُنْكِرُهُ إِذَا رَأَتْهُ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ أَنْ يُزَادَ فِيهِ وينقص منه، وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ وَأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، وَجَعَلَ مَكَانَ الْجَوْهَرِ الْأَحْمَرِ أَخْضَرَ وَمَكَانَ الْأَخْضَرِ أَحْمَرَ، {نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي} [النمل: ٤١] إِلَى عَرْشِهَا فَتَعْرِفُهُ، {أَمْ تَكُونُ مِنَ} [النمل: ٤١] الجاهلين، {الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: ٤١] إليه، إنما حَمَلَ سُلَيْمَانُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَكَرَهُ وَهْبٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الشَّيَاطِينَ خَافَتْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا سُلَيْمَانُ فَتُفْشِي إِلَيْهِ أَسْرَارَ الْجِنِّ وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهَا كَانَتْ جِنِّيَّةً، وَإِذَا وَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا لَا يَنْفَكُّونَ مِنْ تَسْخِيرِ سُلَيْمَانَ وذريته من بعده، فأساؤوا الثَّنَاءَ عَلَيْهَا لِيُزَهِّدُوهُ فِيهَا وَقَالُوا: إِنَّ فِي عَقْلِهَا شَيْئًا وَإِنَّ رِجْلَهَا كَحَافِرِ الْحِمَارِ وَأَنَّهَا شَعْرَاءُ السَّاقَيْنِ فَأَرَادَ سُلَيْمَانُ أَنْ يَخْتَبِرَ عَقْلَهَا بِتَنْكِيرِ عَرْشِهَا، وَيَنْظُرَ إِلَى قَدَمَيْهَا بِبِنَاءِ الصَّرْحِ.