تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان - القمي النيسابوري، نظام الدين الحسن - الصفحة ٢٥٩
|
يا سائلي عن رسول الله كيف سها |
|
والسهو من كل قلب غافل لاهي |
|
قد غاب عن كل شيء سره فسها |
|
عما سوى الله فالتعظيم لله. |
فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم ، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود. قالوا في الأفعال (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه : ١٢١] والعصيان يوجب الوعيد (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ) [الجن : ٢٣] والغي ضد الرشد (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) [البقرة : ٢٥٦] ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب ، وإنه ظالم لقوله (فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) والظالم ملعون (أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود : ١٨] وأنه أخرج من الجنة ، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة. والجواب ، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة. ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة ، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسيا ، أو في حال كونه ذاكرا ، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [طه : ١١٥] ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد. قيل عليه إن قوله (ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) [الأعراف : ٢٠] وقوله (وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف : ٢١] يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما ، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله تعالى : أفرارا مني؟ فقال : بل حياء منك. فقال له : أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟ قال : بلى يا رب ، ولكن وعزتك ما كنت أرى أحدا يحلف بك كاذبا ، فقال : وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكدا. وأيضا لو كان ناسيا لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، رفع القلم عن ثلاث. وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس ، لأنه كان عالما بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدوا له ولزوجه ، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة ، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش. وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم ، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي صلىاللهعليهوسلم«أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» [١] «إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» [٢] وقيل : إن حواء
[١] رواه الترمذي في كتاب الزهد باب ٥٧. البخاري في كتاب المرضى باب ٣. ابن ماجه في كتاب الفتن باب ٢٣. الدارمي في كتاب الرقاق باب ٦٧. أحمد في مسنده (١ / ١٧٢).
[٢] رواه البخاري في كتاب المرضى باب ٣ ، ١٣ ، ١٦. مسلم في كتاب البر حديث ٤٥. الدارمي في كتاب الرقاق باب ٥٧. أحمد في مسنده (١ / ٣٨١ ، ٤٤١).