تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان - القمي النيسابوري، نظام الدين الحسن - الصفحة ٧٨
القياس على أخوته من بابه نحو : عطشان وغرثان. وزعم قوم أنهما بمعنى واحد كندمان ونديم ، وجمع بينهما للتأكيد والاتساع كقولهم جاد مجدّ قال طرفة.
متى أدن منه ينأ عني ويبعد
وقال قوم : الرحمن أشد مبالغة استدلالا بالزيادة في اللفظ على الزيادة في المعنى. قالوا : ولهذا جاء رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا ، وربما يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ، لأن رحمته في الدنيا عمت المؤمن والكافر والبر والفاجر ، وفي الآخرة اختصت بالمؤمنين. فالرحمن خاص اللفظ عام المعنى والرحيم بالعكس. أما خصوص الرحمن فمن حيث لا يسمى به إلا الله تعالى لأنه من الصفات الغالبة كالدبران والعيوق ، وأما عمومه فمن حيث إنه يشمل جميع الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع. وأما عموم الرحيم فاشتراك تسمية الخلق به ، وأما خصوصه فرجوعه إلى اللطف بالمؤمنين والتوفيق. الضحاك : الرحمن بأهل السماء حيث أسكنهم السموات وطوقهم الطاعات وأنطق ألسنتهم بأنواع التسبيحات وجنبهم الآفات وقطع عنهم المطامع واللذات ، والرحيم بأهل الأرض حيث أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. فقال عكرمة : الرحمن برحمة واحدة والرحيم بمائة رحمة كما قال صلىاللهعليهوسلم : «إن لله تعالى مائة رحمة وإنه أنزل منها رحمة واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وأخر تسعا وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» [١] قال ابن المبارك : الرحمن الذي إذا سئل أعطى ، والرحيم الذي إذا لم يسأل غضب. قال صلىاللهعليهوسلم : «من لم يسأل الله يغضب عليه» [٢] الرحمن بالنعماء وهي ما أعطى وحبا ، والرحيم باللأواء وهي ما صرف وزوى. الرحمن بالإنقاذ من النار (وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها) [آل عمران : ١٠٣] والرحيم بإدخالهم الجنان (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر : ٤٦] الرحمن الراحم القادر على كشف الضر ، والرحيم الراحم وإن لم يقدر على كشف الضر. وتسمية مسيلمة الكذاب بالرحمن تعنت منهم واقتطاع من أسماء الله تعالى. قال عطاء : ولذلك قرنه الله تعالى بالرحيم لأن هذا المجموع لم يسم غيره. وإنما قدم الرحمن وهو الأعلى على الرحيم ، والعادة التدرج من الأدنى إلى الأعلى ، لأن الرحمن يتناول عظائم النعم وأصولها ، فإردافه بالرحيم كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف. واعلم أن الأشياء التي أنعم الله تعالى بها على الخلق أربعة أقسام :
[١] رواه البخاري في كتاب الأدب باب ١٩. مسلم في كتاب التوبة حديث ١٧ ، ١٩. الترمذي في كتاب الدعوات باب ٩٩. ابن ماجه في كتاب الزهد باب ٣٥.
[٢] رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب ٢٤.