تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان - القمي النيسابوري، نظام الدين الحسن - الصفحة ٢٦٠
سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل ، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذونا في تناول غيرها ، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر (لا فِيها غَوْلٌ) [الصافات : ٤٧].
الذاهبون إلى أنه فعله عامدا أربع فرق : منهم من قال : النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق. ومنهم من قال : كان عمدا من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبيا ، وقد عرفت فساده. ومنهم من قال : فعله عمدا لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة ، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدا لا يعذر بدعوى الخوف ، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك. ومنهم ـ وهو اختيار أكثر المعتزلة ـ من قال : إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) فلفظ (هذِهِ) قد يشار بها إلى الشخص ، وقد يشار بها إلى النوع كما روي أنه صلىاللهعليهوسلم أخذ حريرا وذهبا بيده وقال «هذان حرامان على ذكور أمتي» [١]. وتوضأ ثم قال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وأراد نوع الحرير والذهب ، ونوع الوضوء. فمراد الله تعالى من كلمة (هذِهِ) ذلك النوع لا الشخص. وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها ، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع. واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية ، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئا؟ وأيضا هب أن لفظ (هذِهِ) متردد بين الشخص والنوع ، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنبا ، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك ، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئا. وأيضا الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي ، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية. وأيضا هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة ، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا : كل مجتهد مصيب. فلا خطأ ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطىء فيها معذور بالاتفاق. وأجيب بأن لفظ هذا يستعمل في الإشارة النوعية أيضا كما مر ، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة ، فلهذا عوتب. وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذرا حتى لا يصير الذنب كبيرا ، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن
[١] رواه أبو داود في كتاب اللباس باب ١٠. الترمذي في كتاب اللباس باب ١. النسائي في كتاب الزينة باب ٤٠. ابن ماجه في كتاب اللباس باب ١٩.