تفسير القرطبي - القرطبي، شمس الدين - الصفحة ٧٠
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنافِعُ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَنَافِعُ نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ. مُجَاهِدٌ: الرُّكُوبُ وَالْحَمْلُ وَالْأَلْبَانُ وَاللُّحُومُ وَالسَّمْنُ. (وَمِنْها تَأْكُلُونَ) أَفْرَدَ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مُعْظَمُ الْمَنَافِعِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى وَمِنْ لحومها تأكلون عند الذبح. الثانية: دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى لِبَاسِ الصُّوفِ، وَقَدْ لَبِسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ كَمُوسَى وَغَيْرِهِ. وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ: فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ شَامِيَّةٍ ضَيِّقَةِ الْكُمَّيْنِ ... الْحَدِيثَ، خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ شِعَارُ الْمُتَّقِينَ وَلِبَاسُ الصَّالِحِينَ وَشَارَةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَاخْتِيَارُ الزُّهَّادِ وَالْعَارِفِينَ، وَهُوَ يَلْبَسُ لَيِّنًا وَخَشِنًا وَجَيِّدًا وَمُقَارِبًا [١] وَرَدِيئًا، وَإِلَيْهِ نَسَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ الصُّوفِيَّةَ، لِأَنَّهُ لِبَاسُهُمْ فِي الْغَالِبِ، فَالْيَاءُ لِلنَّسَبِ وَالْهَاءُ لِلتَّأْنِيثِ. وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَشْيَاخِهِمْ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ طَهَّرَهُ اللَّهُ:
تَشَاجَرَ النَّاسُ فِي الصُّوفِيِّ وَاخْتَلَفُوا ... فِيهِ وَظَنُّوهُ مشتقا من الصوف
ولست أنحل هذ الِاسْمَ غَيْرَ فَتًى ... صَافَى فَصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصوفي
[سورة النحل (١٦): آية ٦]
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)
الْجَمَالُ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ وَيُتَزَيَّنُ. وَالْجَمَالُ: الْحُسْنُ. وَقَدْ جَمُلَ الرَّجُلُ (بِالضَّمِّ) جَمَالًا فَهُوَ جَمِيلُ، وَالْمَرْأَةُ جَمِيلَةٌ، وَجَمْلَاءُ أَيْضًا، عَنِ الْكِسَائِيِّ. وَأَنْشَدَ:
فهي جملاء كبدر طالع ... بذت الْخَلْقَ جَمِيعًا بِالْجَمَالِ
وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ:
جَمَالَكَ أَيُّهَا الْقَلْبُ الْقَرِيحُ «٢»
يُرِيدُ: الْزَمْ تَجَمُّلَكَ وَحَيَاءَكَ ولا تجزع جزع اقبيحا. قَالَ عُلَمَاؤُنَا: فَالْجَمَالُ يَكُونُ فِي الصُّورَةِ وَتَرْكِيبِ الْخِلْقَةِ، وَيَكُونُ فِي الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ، وَيَكُونُ فِي الافعال. فأما جمال الخلقة فهو
[١] شي مقارب (بكسر الراء): وسط بين الجيد والردى.
(٢). هذا صدر البيت، وعجزه كما في اللسان:
سنلقي من تحب فتستريح