تفسير البغوي طيبه - البغوي ، أبو محمد - الصفحة ٦٤
وَهُمْ غُيَّبٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ رُخْصَةً لَهُمْ [١] قَالَ الْحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رُخْصَةً لِهَؤُلَاءِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ. قَالَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: "وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ"، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} كَلَامٌ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ [٢]
وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: "لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ" (النِّسَاءِ-٢٩) ، قَالُوا: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} [٣] أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ. قِيلَ: أَرَادَ مِنْ أَمْوَالِ عِيَالِكُمْ وَأَزْوَاجِكُمُ وَبَيْتُ الْمَرْأَةِ كَبَيْتِ الزَّوْجِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَرَادَ مِنْ بُيُوتِ أَوْلَادِكُمْ، نَسَبُ بُيُوتِ الْأَوْلَادِ إِلَى الْآبَاءِ [٤] كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ" [٥] ، {أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنَيَ بِذَلِكَ وَكِيلَ الرَّجُلِ وَقَيِّمَهُ فِي ضَيْعَتِهِ وَمَاشِيَتِهِ، لَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِ ضَيْعَتِهِ، وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِ مَاشِيَتِهِ، وَلَا يَحْمِلُ وَلَا يَدَّخِرُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي فِي بُيُوتِ عَبِيدِكُمْ وَمَمَالِيكِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ مَنْزِلَ عَبْدِهِ وَالْمَفَاتِيحُ الْخَزَائِنُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ" (الْأَنْعَامِ-٥٩) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْتَحُ بِهِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ
[١] أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (٣٨١-٣٨٢) وعزاه السيوطي لعبد بن حميد. وأخرجه البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة أيضا، وقال الهيثمي: "رجال البزار رجال الصحيح". انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٢٤، مجمع الزوائد: ٧ / ٨٣.
[٢] انظر: الطبري ١٨ / ١٦٩، ولم يعزه للحسن، وإنما عزاه لابن زيد، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: ٦ / ٦٤ عن الحسن وابن زيد.
[٣] عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٢٢٤.
[٤] قال ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص (٣٣٣-٣٣٤) : في الكلام على الآية الكريمة: "أراد: ولا على أنفسكم أن تأكوا من أموال عيالكم وأزواجكم".
وقال بعضهم: أراد أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء؛ لأن الأولاد كسبهم، وأموالهم كأموالهم. يدلك على هذا: أن الناس لا يتوقون أن يأكلوا من بيوتهم، وأن الله سبحانه عدد القربات وهم أبعد نسبا من الولد، ولم يذكر الولد".
[٥] أخرجه ابن ماجه عن جابر، في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، برقم (٢٢٩١) : ٢ / ٧٦٩، قال في الزوائد: "وإسناده صحيح، ورجاله ثقات على شرط البخاري"، والطبراني في الأوسط: ١ / ١٤١، والطحاوي في مشكل الآثار: ٢ / ٢٣٠. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطولا رواه الإمام أحمد: ٢ / ٢٠٤، وأبو داود في البيوع، وابن ماجه في التجارات وابن الجارود في المنتقى. وانظر: الفتح السماوي للمناوي: ٢ / ٨٧٥-٨٧٦ مع تعليق المحقق، إرواء الغليل: ٣ / ٣٢٣ و٣٢٥، كشف الخفاء: ١ / ٢٣٩-٢٤٠.