ايسر التفاسير للجزائري - الجزائري، أبو بكر - الصفحة ٧٠
قضى الأجل الذي تعاقد عليه مع صهره شعيب وقد أتم خير الأجلين وأوفاهما وهو العشر حجج قفل [١] ماشيا بأهله زوجته وولده في طريقه إلى مصر لزيارة والدته وإخوته حدث أن ضل الطريق ليلا، وكان الفصل شتاء والبرد شديد فإذا به يأنس {مِنْ جَانِبِ الطُّورٍِ} أي جبل الطور {نَاراً} فقال لأهله امكثوا هنا {إِنِّي آنَسْتُ} أي أبصرت {نَاراً} سأذهب إليها {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} إذ قد أجد عندها من يدلنا على الطريق أو آتيكم بجذوة [٢] من النار أي خشبة في رأسها نار مشتعلة {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي من أجل اصطلائكم بها أي استدفائكم بها، هذا ما دلت عليه الآية (٢٩) وقوله تعالى في الآية الثانية {فَلَمَّا أَتَاهَا} أي أتى النار {نُودِيَ} أي ناداه مناد {مِنْ [٣] شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ [٤] فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى} أي ناداه ربه {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} فألقاها فاهتزت واضطربت وتحركت بسرعة {كَأَنَّهَا جَانٌّ} أي حية عظيمة من الحيات المعروفة بالجنّان {وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي فزع منها فرجع من الفزع إلى الوراء {وَلَمْ يُعَقِّبْ} أي ولم يرجع إليها من الرعب، فقال له ربه تعالى {أَقْبِلْ} أي على العصا {وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} أي الذي آمنهم ربهم فلا يخافون شيئا.
وقال له بعد أن رجع {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي أدخل يدك في جيب قميصك وهو الشق الذي يدخل معه الرأس في الثوب ليلبس وقوله {تَخْرُجْ} أي اليد {بَيْضَاءَ} كالنور {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي برص أو نحوه {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ} أي يدك مع العضد إلى صدرك {مِنَ الرَّهْبِ [٥] } أي الخوف فإن يذهب عنك بحيث تعود يدك عادية لا نور فيها كما كانت من قبل إدخالها في جيبك أولا.
ثم قال تعالى له: {فَذَانِكَ [٦] } أي العصا واليد البيضاء. {بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} أي آيتان
١- يقال: قفل راجعا أي: من سفره إلى أهله: والقافلة: الجماعة العائدة من السفر: ويقال لها القافلة وهي في بدء سفرها تفاؤلا بالعودة السليمة لها وموسى عليه السلام قفل من رحلته إلى بلاده.
٢- الجذوة مثلثة الجيم ضماً وفتحاً وكسراً: الجمرة الملتهبة، والجمع جذاً مثلثة الجيم أيضا.
٣- (من) ابتدائية وكذا من الشجرة إذ من الشجرة بدل اشتمال من قوله (من شاطئ الوادي) وشاطئ الوادي وشطه جانبه، والجمع: شطآن وشواطئ.
٤- (الأيمن) أي: عن يمين موسى، والبعقة والجمع بقع: المكان من الأرض وإن فتحت باؤها جمعت على بقاع كجفنة وجفان وأما بالضم فهي كغرفة وغرف، و (من الشجرة) أي: من ناحيتها، وهل الشجرة من سمر أو عليق: (عوسج) الله أعلم.
٥- قرأ الجمهور: (الرهب) بفتح الراء والهاء وقرأ بعضٌ بضم الراء وسكون الهاء: (الرُّهب) وقرأ عاصم بفتح الراء وسكون الهاء (الرَّهب) .
٦- (فذانك) بتخفيف النون لغة قريش وبتشديدها مع مدها وتخفيفها مع مدها (فذانيك) لغة هذيل.