ايسر التفاسير للجزائري - الجزائري، أبو بكر - الصفحة ٦١
وجاء رجل من أقصى المدينة: أي مؤمن آل فرعون أتى من أبعد نواحي المدينة.
إن الملأ يأتمرون بك: أي يتشاورون ويطلب بعضهم أمر بعض ليقتلوك.
فاخرج إني لك من الناصحين: أي اخرج من هذه البلاد إلى أخرى.
فخرج منها خائفا يترقب: خائف من القتل يترقب ما يحدث له.
معنى الآيات:
لقد تقدم في الآية قبل هذه أن موسى عليه السلام قد قتل قبطيا بطريق الخطأ وأنه اعترف لربه تعالى بخطإه واستغفره، وأن الله تعالى غفر له وأعلمه بذلك بما شاء [١] من وسائط. ولما علم موسى بمغفرة الله تعالى له عاهده بأن لا يكون {ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} مستقبلاً ومن ذلك أن يعتزل فرعون وملائه لأنهم ظالمون مجرمون فقال:
{رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} أي بمغفرتك لي خطإي [٢] وذلك بالنظر إلى إنعامك علي بالمغفرة أعاهدك أن لا أكون {ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (٣) } هذا ما دلت عليه الآية (١٧) أي الأولى في هذا السياق وهي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ} وقوله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ} أي فأصبح موسى في مدينة (منف) عاصمة المملكة الفرعونية {خَائِفاً} مما قد يترتب على قتله القبطي {يَتَرَقَّبُ} الأحداث ماذا تسفر عنه؟ {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ} وهو الإسرائيلي الذي طلب نصرته أمس {يَسْتَصْرِخُهُ} أي يستغيثه بأعلى صوته فنظر إليه موسى وأقبل عليه ليخلصه قائلاً: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أي لذو غواية بينة والغواية الفساد في الخلق والدين لأنك أمس قاتلت واليوم تقاتل أيضا. {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} أي موسى {بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} وهو القبطي قال الإسرائيلي {أَتُرِيدُ
١- يرى بعضهم أن موسى لم يعلم بمغفرة الله تعالى له لأنه لم يكن قد نُبِّئ بعد وجعل جملة (فغفر له) معترضة وقوله: (بما أنعمت عليّ) بالهداية والحكمة والعلم لا بالمغفرة لأنه لم يعلم بها. وما في التفسير أظهر وأولى بالسياق.
٢- إن قتل موسى للقبطي كان قطعا خطأ، روى مسلم عن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة لما سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (إن الفتنة تجيء من ها هنا وأومأ بيده نحو المشرق – من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل: (وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا) .
٣- قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي من ثاني يوم. هذا إن قلنا: إن كلامه كان خبراً لا دُعاءً إذ الدعاء لا يجوز الاستثناء فيه لا يقال: ارحمني إن شئت.