الدر المصون في علوم الكتاب المكنون - السمين الحلبي - الصفحة ١٩٢
قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ} : في «هنالك» وجهان، الظاهرُ بقاؤه على أصلِه مِنْ دلالته على ظرف المكان، أي: في ذلك
وقد تقدَّم الكلامُ على ما بعد هذا مِنْ {وكفى} [النساء: ٦] و «إنْ» المخففة، واللام التي بعدها بما يُغْني عن إعادته.
ولأن مصدره التزييل، ولو كان فَيْعَل لكان مصدرُه فَيْعَلة كبَيْطَرة؛ لأن فَيْعَل ملحقٌ بفَعْلَل، ولقولهم في معناه زايَل، ولم يقولوا: زاول بمعنى فارق، إنما قالوه بمعنى حاول وخالط «. وحكى الفراء» «فزايَلْنا» وبها قرأت فرقة. قال الزمخشري: «مثل صاعَرَ خَدَّه وصَعَّره، وكالمتُه وكلَّمْته» ، قلت: يعني أن فاعَل بمعنى فَعَّل. وزايَلَ بمعنى فارَقَ. قال:
٢٥٩١ - وقال العذارى إنَّما أنت عَمُّنا ... وكان الشبابُ كالخليطِ نُزايِلُهْ
وقال آخر:
٢٥٩٢ - لعَمْري لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده ... لِذي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوىً لا يُزايلُهْ
وقوله: {فَزَيَّلْنَا} و «قال» هذان الفعلان ماضيان لفظاً مستقبلان معنىً لعطفِهما على مستقبل وهو «ويوم نحشرهم» وهما نظيرُ قولِه تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ} [هود: ٩٨] . و «إيَّانا» مفعولٌ مقدمٌ قُدِّم للاهتمام به والاختصاص، وهو واجبُ التقديمِ على ناصبِه لأنه ضميرٌ منفصل لو تأخر عنه لَزِمَ اتصالُه.