البحر المحيط في التفسير - أبو حيّان الأندلسي - الصفحة ١٢٧
مَدْلُولَهَا مِنْ كَوْنِهَا اسْمَ جِنْسٍ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِالْوَحْدَةِ، فَوَصَفَهَا: بِطَيِّبَةٍ، وَاضِحٌ! وَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَكَرًا وَاحِدًا، فَأَنَّثَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كَمَا قَالَ:
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... سُكَاتٍ إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بأدْرَدَا
وَكَمَا قَالَ:
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالُ
وَفِي قَوْلِهِ: هَبْ لِي دَلَالَةٌ عَلَى طَلَبِ الْوَلَدِ الصَّالِحِ، وَالدُّعَاءِ بِحُصُولِهِ وَهِيَ سُنَّةُ الْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالصَّالِحِينَ.
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ لَمَّا دَعَا رَبَّهُ بِأَنَّهُ يَهِبُ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا، أَخْبَرَ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُجِيبُ الدُّعَاءِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى السَّمَاعِ الْمَعْهُودِ، بَلْ مِثْلُ
قَوْلِهِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
عَبَّرَ بِالسَّمَاعِ عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى الْمَقْصِدِ، وَاقْتَفَى فِي ذَلِكَ جَدَّهُ الْأَعْلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ [١] فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَرَزَقَهُ عَلَى الْكِبَرِ كَمَا رَزَقَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَ قَدْ تَعَوَّدَ مِنَ اللَّهِ إِجَابَةَ دُعَائِهِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [٢] ؟.
قِيلَ: وَذَكَرَ تَعَالَى فِي كَيْفِيَّةِ دُعَائِهِ ثَلَاثَ صِيَغٍ: أَحَدُهُا: هَذَا، وَالثَّانِي: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي [٣] إِلَى آخِرِهِ. وَالثَّالِثُ: رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ «٤» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ تَكَرَّرَ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ الصِّيَغِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالْإِجَابَةِ زَمَانًا. انْتَهَى. وَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَكْرِيرُ الدُّعَاءِ، كَمَا قِيلَ: لِأَنَّهُ حَالَةُ الْحِكَايَةِ قَدْ يَكُونُ حُكِيَ فِي قَوْلِهِ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً [٥] عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ، وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ عَلَى سَبِيلِ الْإِسْهَابِ، وَفِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّطِ.
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ إِنَّمَا هِيَ بِالْمَعْنَى، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ وَاحِدٌ مُتَعَقَّبٌ بِالتَّبْشِيرِ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَفِي قَوْلِهِ:
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى [٦] وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي مريم: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ [٧] اعْتِقَابُ التَّبْشِيرِ الدُّعَاءُ لَا تَأَخُّرُهُ عَنْهُ.
[١] سورة إبراهيم: ١٤/ ٣٩.
[٢] سورة مريم: ١٩/ ٤.
[٣] سورة مريم: ١٩/ ٤.
(٥- ٤) سورة الأنبياء: ٢١/ ٨٩.
[٦] سورة الأنبياء: ٢١/ ٩٠.
[٧] سورة مريم: ١٩/ ٧.