البحر المحيط في التفسير - أبو حيّان الأندلسي - الصفحة ٣١٥
كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [١] انْتَهَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنَ الْأَوَّلِ تَقْدِيرُهُ:
مَثَلُ مَهْلِكِ مَا يُنْفِقُونَ. أَوْ مِنَ الثَّانِي تَقْدِيرُهُ: كَمَثَلِ مَهْلِكِ رِيحٍ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةٌ، أَيْ مَثَلُ إِنْفَاقِهِمْ، فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الْمَعْقُولَ بِالْمَحْسُوسِ، إِذْ شَبَّهَ الْإِنْفَاقَ بِالرِّيحِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: يُنْفِقُونَ أَنَّهُ مِنْ نَفَقَةِ الْمَالِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ يُنْفِقُونَ مِنْ أَقْوَالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّهَا. وَيُضَعِّفُ هَذَا أَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ يُعْلِنُونَ لَا فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُبْطِنُونَ.
وَقِيلَ: مُتَعَلِّقُ الْإِنْفَاقِ هُوَ أَعْمَالُهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَنَحْوِهِ، هِيَ كَالرِّيحِ الَّتِي فِيهَا صِرٌّ أَبْطَلَتْ أَعْمَالَهُمْ كُلَّ مَا لَهُمْ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ وَتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ، كَمَا يُبْطِلُ الرِّيحُ الزَّرْعَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، لَوْلَا بُعْدُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْإِنْفَاقِ انْتَهَى. وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا يُنْفِقُونَ عِبَارَةٌ عَنْ أَعْمَالِهِمْ كُلِّهَا، لَكِنَّهُ خَصَّ الْإِنْفَاقَ لكونه أظهروا أَكْثَرَ انْتَهَى.
وَقَرَأَ ابْنُ هُرْمُزٍ وَالْأَعْرَجُ: تُنْفِقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى قُلْ لَهُمْ، وَأَفْرَدَ رِيحًا لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْعَذَابِ، كَمَا أُفْرِدَتْ فِي قَوْلِهِ: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ [٢] وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صرصرا كالريح الْعَقِيمَ. كَمَا أَنَّ الْجَمْعَ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [٣] وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [٤] يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً [٥] وَلِذَلِكَ
رُوِيَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»
وَارْتِفَاعُ صِرٌّ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ بِالْمَجْرُورِ قَبْلَهُ، إِذْ قَدِ اعْتَمَدَ بِكَوْنِهِ وَقْعَ صِفَةٍ لِلرِّيحِ. فَإِنْ كَانَ الصِّرُّ الْبَرْدَ وَهُوَ قَوْلُ: ابْنِ عَبَّاسٍ، والحسن، وقتادة، وَالسُّدِّيِّ، أَوْ صَوْتَ لَهِيبِ النَّارِ أَوْ صَوْتَ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ. فَظَاهِرُ كَوْنِ ذَلِكَ فِي الرِّيحِ. وَإِنْ كَانَ الصِّرُّ صِفَةً لِلرِّيحِ كَالصَّرْصَرِ، فَالْمَعْنَى فِيهَا قِرَّةٌ صِرٌّ كَمَا تَقُولُ: بَرْدٌ بَارِدٌ، وَحَذَفَ الْمَوْصُوفَ، وَقَامَتِ الصِّفَةُ مَقَامَهُ. أَوْ تَكُونُ الظَّرْفِيَّةُ مَجَازًا جَعَلَ الْمَوْصُوفَ ظَرْفًا لِلصِّفَةِ.
كَمَا قَالَ: وَفِي الرَّحْمَنِ كَافٍ لِلضُّعَفَاءِ. وَقَوْلُهُمْ: إِنْ ضَيَّعَنِي فُلَانٌ فَفِي اللَّهِ كَافٍ. الْمَعْنَى الرَّحْمَنُ كَافٍ، وَاللَّهُ كَافٍ. وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ.
وَقَوْلُهُ: أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِرِيحٍ. بَدَأَ أَوَّلًا بِالْوَصْفِ بِالْمَجْرُورِ، ثُمَّ بِالْوَصْفِ بِالْجُمْلَةِ. وَقَوْلُهُ: ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْمٍ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعَاصِيهِمْ، فَكَانَ الْإِهْلَاكُ أَشَدَّ إِذْ كَانَ عُقُوبَةً لهم.
[١] سورة البقرة: ٢/ ١٧١.
[٢] سورة الأحقاف: ٢٦/ ٢٤.
[٣] سورة الروم: ٣٠/ ٤٦.
[٤] سورة الحجر: ١٥/ ٢٢. [.....]
[٥] سورة الأعراف: ٧/ ٥٧.