جمهره خطب العرب في عصور العربيه الزاهره - أحمد زكي صفوت - الصفحة ٢٩٠
وقدم أعرابي البادية وقد نال من بني برمك، فقيل له كيف رأيتهم؟ قال: "رأيتهم وقد أنِسَت بهم النِّعمة، كأنها من ثيابهم".
وذكر أعرابي رجلًا فقال: "ما زال يَبْني المجد، ويَشْتري الْحَمد، حتى بلغ منهُ الجَهْد".
ودخل أعرابي على بعض الملوك فقال: "إن جهلًا أن يقول المادح بخلاف ما يعرف من الممدوح، وإني والله ما رأيت أعشق للمكارم في زمان اللؤم منك، وأنشد:
مالي أرى أبوابهم مَهْجورَةً؟ ... وكأنَّ بابَك مَجْمَع الأسواق
حابَوْك أم هابوك أم شامُوا النَّدَى ... بيديك فاجتمعوا من الآفاق
إني رأيتك للمكارم عاشقًا ... والمكْرُمَات قليلة العُشَّاقِ
"العقد الفريد ٢: ٨٨-٩٠".
وضلَّ أعرابي الطريق ليلًا، فلما طلع القمر اهتدى، فرفع رأسه إليه فقال: ما أدري ما أقول؟ أأقول: رفعك الله؟ فقد رفعك، أم أقول: نوَّرك الله؟ فقد نوَّرك، أم أقول: حسَّنك الله؟ فقد حسَّنك، أم أقول: عمَّرك الله؟ فقد عمَّرك، ولكني أقول: جعلني الله فِدَاك.
"العقد الفريد ٢: ٩٧".
وذكر أعرابي قومه فقال: "كانوا والله إذا اصْطَّفُوا تحت القِتَام١، خطرت بينهم السِّهام بوفُود الحمام، وإذا تصَافَحُوا بالسيوف فغَرَت٢ المنايا أفواهها، فَرُبَّ
١ القتام: الغبار والحمام: الموت. ورواية العقد: "كانوا إذا اصطفوا سفرت بينهم السهام" -سفر بين القوم كضرب ونصر: أصلح".
٢ فغرت: فتحت.