وفيات الأعيان - ابن خلكان - الصفحة ٣٤٥
السحر، فجعل يتعجب من بكورة، فقال أبو العيناء: أراك تشركني في الفعل، وتفردني بالتعجب. وذكر له أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال: إن أعفاني من رؤية الأهلة وقراءة نقوش الفصوص فأنا أصلح للمنادمة. وقيل له: إلى متى تمدح وتهجو فقال: ما دام المحسن محسنا والمسيء مسيئا، بل أعوذ بالله أن أكون كالعقرب التي تلسب النبي والذمي.
وذكر الزمخشري في كتابربيع الأبرار في باب الظلم قال أبو العيناء فقلت: قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة، فقال: " يد الله فوق أيديهم " - الفتح:١٠ - قلت: فإن لهم مكرا، قال: " ولايحيق المكر السيء إلا بأهله " - فاطر:٤٣ - قلت هم كثير، قال: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " (البقرة:٢٤٩) .
وكان بينه وبين ابن مكرم مداعبات، فسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، فقال: ما أغفلك عن أبي العيناء! ذهب بصره فعظمت حيلته. وقد ألم أبو علي البصير إلى هذا المعنى يشير به إلى أبي العيناء، فقال:
قد كنت خفت يد الزما ... ن عليك أن ذهب البصر
لم أدر أنك بالعمى ... تغنى ويفتقر البشر وسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في بعض دعائه: يارب سائلك، فقال يا ابن الفاعلة، ومن لست [١] سائله. وقال له ابن مكرم يوما يعرض به: كم عدد المكدين بالبصرة فقال له: مثل عدد البغائين ببغداد.
ودخل على ابن ثوابة عقيب كلام جرى بينه وبين أبي الصقر أربى ابن ثوابة عليه فيه، فقال له: بلغني ماجرى بينك وبين أبي الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد عزا فيضيعه، ولا مجدا فينقصه، وبعد فإنه عاف لحمك أن يأكل، وسهك [٢] دمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: وما أنت
[١] ر: ومن لست فاعله؛ ن: ومن الذي ليس، ق: ومن لست بسائله.
[٢] لي: ونهك؛ ن ل ق بر: وسهل؛ س ت: وسفك؛ وسهك بمعنى كره رائحته.