البدايه والنهايه - ط احياء التراث - ابن كثير - الصفحة ٣٩ - ثم دخلت سنة أربع وستمائة
الشيخ تقي الدين بن تَيْمِيَّةَ شَيْخٌ كَانَ يَلْبَسُ دِلْقًا كَبِيرًا مُتَّسِعًا جِدًّا يُسَمَّى الْمُجَاهِدَ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانَ، فَأَمَرَ الشَّيْخُ بِتَقْطِيعِ ذَلِكَ الدِّلْقِ فَتَنَاهَبَهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جانب وقطعوه حتى لم يدعوا فيه شَيْئًا وَأَمَرَ
بِحَلْقِ رَأْسِهِ، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ، وقلم أظافره وَكَانُوا طِوَالًا جِدًّا، وَحَفِّ شَارِبِهِ الْمُسْبَلِ عَلَى فَمِهِ الْمُخَالِفِ لِلسُّنَّةِ، وَاسْتَتَابَهُ مِنْ كَلَامِ الْفُحْشِ وأكل ما يغير العقل من الحشيشة وما لا يجوز من المحرمات وَغَيْرِهَا.
وَبَعْدَهُ اسْتُحْضِرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْخَبَّازُ الْبَلَاسِيُّ فَاسْتَتَابَهُ أَيْضًا عَنْ أَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَمُخَالَطَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ بعينه راح الشيخ تقي الدين ين تَيْمِيَّةَ إِلَى مَسْجِدِ النَّارَنْجِ [١] وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ وَمَعَهُمْ حَجَّارُونَ بِقَطْعِ صَخْرَةٍ كَانَتْ هُنَاكَ بِنَهْرِ قَلُوطٍ تزار وينذر لها، فقطعها وأرح الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا وَمِنَ الشِّرْكِ بِهَا، فَأَزَاحَ عَنِ المسلمين شبهة كان شرها عظيماً، وبهذا وأمثالها حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك كلامه بابن عَرَبِيٍّ وَأَتْبَاعِهِ، فَحُسِدَ عَلَى ذَلِكَ وَعُودِيَ، وَمَعَ هَذَا لَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا بَالَى، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ، وَأَكْثَرُ مَا نَالُوا مِنْهُ الْحَبْسُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي بَحْثٍ لَا بِمِصْرَ وَلَا بِالشَّامِ، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُمْ عَلَيْهِ مَا يَشِينُ وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ وَحَبَسُوهُ بِالْجَاهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَإِلَى اللَّهِ إِيَابُ الْخَلْقِ وَعَلَيْهِ حِسَابُهُمْ.
وَفِي رَجَبٍ جَلَسَ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ صَصْرَى بِالْمَدْرَسَةِ العادلية الكبيرة وعملت التخوت بعد ما جُدِّدَتْ عِمَارَةُ الْمَدْرَسَةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَحْكُمُ بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ قَازَانَ بِسَبَبِ خَرَابِهَا، وَجَاءَ الْمَرْسُومُ لِلشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ بِوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَلِلشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ بِنَظَرِ الْخِزَانَةِ فَقَبِلَ وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِطَرْحَةٍ، وحظر بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهَاتَانِ الْوَظِيفَتَانِ كَانَتَا مَعَ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ تُوُفِّيَ إِلَى رحمة الله.
وَفِي شَعْبَانَ سَعَى جَمَاعَةٌ فِي تَبْطِيلِ الْوَقِيدِ لَيْلَةَ النِّصْفِ وَأَخَذُوا خُطُوطَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ، وَتَكَلَّمُوا مَعَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ، بَلْ أَشْعَلُوا وَصُلِّيَتْ صَلَاةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ أَيْضًا.
وَفِي خَامِسِ رَمَضَانَ وَصَلَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّرِيشِيِّ مِنْ مِصْرَ بِوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ، ولبس الخلعة سابع رمضان، وحضر عند ابْنُ صَصْرَى بِالشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ.
وَفِي سَابِعِ شَوَّالٍ عُزِلَ وَزِيرُ مِصْرَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِيِّ وَقُطِعَ إِقْطَاعُهُ وَرُسِمَ عَلَيْهِ وَعُوقِبَ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَتَوَلَّى الْوِزَارَةَ سَعْدُ الدين محمد بن محمد ابن عطاء وَخُلِعَ عَلَيْهِ.
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ حَكَمَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الزَّوَاوِيُّ بِقَتْلِ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بْنِ جَمَالِ الدين بن عبد الرحمن الباجريقي، وَإِرَاقَةِ دَمِهِ وَإِنْ تَابَ
وَإِنْ أَسْلَمَ، بَعْدَ إثبات محضر عليه يتضمن كفر الباجريقي المذكور، وكان ممن شهد فيه عليه الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ التُّونِسِيُّ النَّحْوِيُّ الشَّافِعِيُّ، فَهَرَبَ الباجريقي إلى بلاد الشرق [٢] فمكث بها مدة
[١] من بدائع الزهور، وفي الاصل " التاريخ "، وذكر ابن إياس هذه الحادثة في حوادث سنة ٧٠٢ هـ (١ / ١ / ٤١٧) .
[٢] اقام مدة بمصر بالجامع الازهر - بعد الحكم عليه - ثم هرب إلى دمشق ونزل القابون قرب دمشق واقام به إلى أن مات سنة ٧٢٤ هـ.
وله ستون سنة (شذرات الذهب ٦ / ٦٤ الوافي ٣ / ٢٤٩ ابن حجر الدرر الكامنة ٤ / ١٣٠) .