البدايه والنهايه - ط احياء التراث - ابن كثير - الصفحة ٢٦٨ - قصة يونس
إِلَيْهِ وَتَمَسْكَنُوا لَدَيْهِ وَبَكَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالْبَنُونَ والبنات والامهات [١] وجأرت الأنعام والدواب والمواشي فرغت الْإِبِلُ وَفُصْلَانُهَا وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَأَوْلَادُهَا وَثَغَتِ الْغَنَمُ وَحُمْلَانُهَا وَكَانَتْ سَاعَةً عَظِيمَةً هَائِلَةً فَكَشَفَ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي كَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِهِمْ بِسَبَبِهِ وَدَارَ على رؤسهم كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) أَيْ هَلَّا وُجِدَتْ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الْقُرُونِ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا فدلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ من نبي إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [سبأ: ٣٤] .
وَقَوْلُهُ (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس: ٩٨] أَيْ آمَنُوا بِكَمَالِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ هَلْ يَنْفَعُهُمْ هَذَا الْإِيمَانُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَيُنْقِذُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ كَمَا أَنْقَذَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى قولين ; الأظهر من السياق نعم.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى (لَمَّا آمَنُوا) وَقَالَ تَعَالَى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى
حِينٍ) .
وهذا المتاع إلى حين لا يفني أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ رَفْعِ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ لَا مَحَالَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ فَعَنْ مَكْحُولٍ عَشَرَةُ آلَافٍ * وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَمَّنْ سَمِعَ أَبَا الْعَالِيَةِ: حَدَّثَنِي أُبي بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) [الصافات: ١٤٧] قَالَ: " يَزِيدُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا فَلَوْلَا هَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلًا فِي هَذَا الْبَابِ * وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَعَنْهُ وَبِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا.
وَعَنْهُ وَبِضْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ الْحُوتِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ هُمَا أُمَّتَانِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي التَّفْسِيرِ * وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا ذَهَبَ مُغَاضِبًا بِسَبَبِ قَوْمِهِ رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَلَجَّتْ بِهِمْ وَاضْطَرَبَتْ وَمَاجَتْ بِهِمْ وَثَقُلَتْ بِمَا فِيهَا وَكَادُوا يَغْرَقُونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ * قَالُوا فَاشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتَرِعُوا فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا مِنْهُ.
فَلَمَّا اقْتَرَعُوا وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ فَلَمْ يَسْمَحُوا بِهِ فَأَعَادُوهَا ثَانِيَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا فَشَمَّرَ [٢] لِيَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ.
ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَالِثَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ.
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) [الصافات: ١٣٩ - ١٤٢] .
وَذَلِكَ أنَّه لَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ وَبَعَثَ الله عزوجل
[١] في النسخ المطبوعة: الامهاب وهو تحريف.
[٢] في نسخة: فتشمر.
[*]