البدايه والنهايه - ط احياء التراث - ابن كثير - الصفحة ٢٣٨ - ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل
بِالْقَبُولِ فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُوَهُمَا إِلَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُمَا مِمَّا سَأَلَا عَنْهُ وَطَلَبَا مِنْهُ * ثُمَّ لَمَّا قَامَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَى مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ قَالَ (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) قَالُوا وَهُوَ السَّاقِي (وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) قَالُوا وَهُوَ الْخَبَّازُ (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) أَيْ وَقَعَ هَذَا لَا مَحَالَةَ وَوَجَبَ كَوْنُهُ على حَالَةٍ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وقعت ".
وقد روى عن بن مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (أَنَّهُمَا قَالَا لَمْ نَرَ شَيْئًا) فَقَالَ لهما (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ.
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناج منها اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجن بضع سنين) [يُوسُفَ: ٤٢] يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ قال للذي ظنه ناجيا منها وهو الساقي (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) يَعْنِي اذْكُرْ أَمْرِي وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ السَّجْنِ بِغَيْرِ جُرْمٍ عِنْدَ الْمَلِكِ * وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ فِي الْأَسْبَابِ * وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ.
وَقَوْلُهُ (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) أَيْ فَأَنْسَى النَّاجِيَ مِنْهُمَا الشَّيْطَانُ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَصَّاهُ بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ * قَالَهُ مجاهد ومحمد بن اسحق وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَهْلِ الكتاب (فلبث يوسف في السجن بضع سنين) وَالْبِضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ * وَقِيلَ إِلَى السَّبْعِ * وَقِيلَ إِلَى الْخَمْسِ * وَقِيلَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ.
حَكَاهَا الثَّعْلَبِيُّ * وَيُقَالُ بِضْعُ نِسْوَةٍ وَبِضْعَةُ رِجَالٍ * وَمَنَعَ الْفَرَّاءُ اسْتِعْمَالَ الْبِضْعِ فِيمَا دُونَ الْعَشْرِ قَالَ وَإِنَّمَا يُقَالُ نَيِّفٌ.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (فِي بِضْعِ سِنِينَ) [الروم: ٢] وَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِ * قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيُقَالُ بِضْعَةَ عَشَرَ وَبِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ إِلَى التِّسْعِينَ وَلَا يُقَالُ بِضْعٌ وَمِائَةٌ وَبِضْعٌ وَأَلْفٌ وَخَالَفَ الْجَوْهَرِيُّ فِيمَا زَادَ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ إِلَى تِسْعِينَ * وَفِي الصَّحِيحِ: " الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ " وَفِي رِوَايَةٍ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا [١] قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ " [٢] .
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الضَّمِيرَ فِي قوله (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ فَقَدْ ضَعُفَ مَا قَالَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [٣] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَعِيفٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ * تَفَرَّدَ بِإِسْنَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ [٤] الْمَكِّيُّ وَهُوَ
[١] في نسخة وأعلاها وفي نسخة أخرى وأرفعها.
[٢] أخرجه البخاري في صحيحه: فتح الباري ٢ / ٣ ورواه مسلم في ١ / ٥٧ / ٥٨ وأبو داود والنسائي في سننيهما وابن ماجة في المقدمة وأحمد في مسنده ٢ / ١٤٤ - ٣٧٩ - ٤٤٥.
[٣] تاريخ الطبري ج ١ / ١٧٧ وفي إسناده: عن وكيع عن عمرو بن محمد عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ..[٤] في نسخة خوذي وفي نسخة الخوري والصواب الخوزي.
نسبة إلى خوز وهو هنا شعب مكة يسمى شعب الخوز وليس منسوبا إلى خوزستان.
وهو أبو إسماعيل المكي، مولى بني أمية - متروك تقريب التهذيب ١ / ٤٦.
[*]