البدايه والنهايه - ط احياء التراث - ابن كثير - الصفحة ٢٤٦ - ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ.
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تالله تفتؤ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ أكون مِنَ الْهَالِكِينَ.
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تعلمون.
يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ
الْكَافِرُونَ) [يُوسُفَ: ٨٠ - ٨٧] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ خَلَصُوا يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ قَالَ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ رُوبِيلُ (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ) لَقَدْ أَخْلَفْتُمْ عَهْدَهُ وَفَرَّطْتُمْ فِيهِ كَمَا فَرَّطْتُمْ فِي أَخِيهِ يُوسُفَ مِنْ قَبْلِهِ فَلَمْ يبقَ لِي وَجْهٌ أُقَابِلُهُ بِهِ (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أي لا أزال مقيماً ههنا (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ (أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) بِأَنْ يُقَدِّرَنِي عَلَى رَدِّ أَخِي إِلَى أَبِي (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ.
ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) أَيْ أَخْبِرُوهُ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْأَمْرِ فِي ظَاهِرِ الْمُشَاهَدَةِ (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ.
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أَيْ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ مِنْ أَخْذِهِمْ أَخَانَا لِأَنَّهُ سَرَقَ أَمْرٌ اشْتَهَرَ بِمِصْرَ وَعَلِمَهُ الْعِيرُ الَّتِي كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ هُنَاكَ (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أمر فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَسْرِقْ فإنه ليس سجية له ولا [هو] [١] خُلُقَهُ وَإِنَّمَا سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جميل.
قال ابن إسحق وَغَيْرُهُ لَمَّا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْهُمْ فِي بِنْيَامِينَ مُتَرَتِّبًا عَلَى صَنِيعِهِمْ فِي يُوسُفَ قَالَ لَهُمْ مَا قَالَ وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِنَّ مِنْ جَزَاءِ السَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) يَعْنِي يُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ وَرُوبِيلَ (إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ) أَيْ بِحَالِي وَمَا أَنَا فِيهِ مِنْ فِرَاقِ الْأَحِبَّةِ (الْحَكِيمُ) فِيمَا يُقَدِّرُهُ وَيَفْعَلُهُ وَلَهُ الْحِكْمَةُ البالغة والحجة القاطعة (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ) أَيْ أَعْرَضَ عَنْ بَنِيهِ (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) ذَكَّرَهُ حُزْنُهُ الْجَدِيدُ بِالْحُزْنِ الْقَدِيمِ وَحَرَّكَ مَا كَانَ كَامِنًا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى * مَا الْحُبُّ إِلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ وَقَالَ آخَرُ [٢] : لقَد لامَني عِنْدَ الْقُبُورِ عَلَى الْبُكَا * رَفْيقِي لتذرَافِ الدُّموعِ السوافك [٣]
[١] سقطت من النسخ المطبوعة.
[٢] القائل: متمم بن نويرة.
[٣] الدموع السوافك: المذروفة بغزارة.
[*]