نفحات الأزهار في خلاصة عبقات الأنوار - الحسيني الميلاني، السيد علي - الصفحة ٨٤ - ترجمة الطبري
الحربي والبخاري وعثمان بن سعيد الدارمي وأبي بكر ابن خزيمة ومحمد بن جرير الطبري ومحمد بن نصر المروزي وغير هؤلاء إلى اجتهادهم واعتبارهم ، مثل أن يعلموا سنّة النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ الثابتة عنه ، ويجتهدوا في تحقيق مناط الاحكام وتنقيحها وتخريجها ، خير لهم من أن يتمسكوا بنقل الروافض عن العسكريّين وأمثالهما ، فإنّ الواحد من هؤلاء أعلم بدين الله ورسوله من العسكريّين أنفسهما ، فلو أفتاه أحدهما بفتيا كان رجوعه إلى اجتهاده أولى من رجوعه إلى فتيا أحدهما ، بل هو الواجب عليه ، فكيف إذا كان نقلا عنهما من مثل الرافضة ، والواجب على مثل العسكريّين وأمثالهما أن يتعلّموا من الواحد من هؤلاء » [١].
أقول : ونحن لا يسعنا إلاّ أن نقول : ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً ) [٢].
وقال السيوطي في ( التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة ) : « وممن يصلح أن يعدّ على رأس الثلاثمائة : الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، وعجبت كيف لم يعدّوه ، وهو أجلّ من ابن شريح وأوسع علوما ، وبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق المستقل ، ودوّن لنفسه مذهبا مستقلا ، وله أتباع قلّدوه وأفتوا وقضوا بمذهبه ويسمّون الجريرية.
وكان إماما في كل علم من القراءة والتفسير والحديث والفقه والأصول وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم والعربية والتاريخ ، قال النّوويّ : أجمعت الأمّة على أنه لم يصنّف مثل تفسيره. قال الخطيب : كان أئمة العلماء تحكم بقوله وترجع اليه ، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، قال ابن خزيمة : ما أعلم على الأرض أعلم من ابن جرير ، وقد أراد الخليفة المقتدر بالله مرّة أن يكتب كتاب وقف تكون شروطه متفقا عليها بين العلماء ، فقيل له :
[١] منهاج السنة ٢ / ١٢٧.
[٢] سورة الكهف : ٥.