شرح حديث « من عرف نفسه فقد عرف ربّه »

شرح حديث « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » - تنکابنی، محمد مهدی - الصفحة ١٥٣

ويفرح. فيعرف من ذلك الحسن والقبح، ويعرف من ذلك أنّ فعل الحسن حسن وفعل القبيح قبيح، فيجتنب عن فعل القبيح، و يحكم أنّ الحريّ للعاقل أن لايفعل القبيح. فيعلم من ذلك أنّ الخالق الواجب المطلق لايفعل القبيح و من جملته الظلم فلا يفعله أيضا، فيعرف ربّه حينئذ أنّه لايفعل القبيح ولايفعل الظلم، وذلك قوله ـ عليه السلام ـ «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» بأنّه لايفعل القبيح ولا يظلم، فافهم. الخامس: أنّه «من عرف نفسه» بأنّها ذات مراتب عديدة وأنحاء كثيرة[هي] الأنحاء السبعة، وهي: النّفس الأمّارة، والنّفس اللوّامة، والنّفس المطمئنّة، والنّفس الملهمة، والنّفس المرضيّة، والنّفس الراضية، والنّفس الكاملة؛ يعرف أنّ لكلّ واحد منها آثارا ومقتضيات مختلفة بعضها مهلكة وبعضها منجية، فحينئذ يكون مضطرّا وملجأ أن يلتجئ إلى من خلقها وأقرّها فيه و سلّطها عليه. فحينئذ يرى نفسه غالبا عليه، فحينئذ صار ملتجئا إلى ربّه بنهاية الالتجاء في جميع الحال ويستعينه في كلّ حالاته، و ذلك كمال المعرفة بها لربّه، وذلك قوله ـ عليه السلام ـ «من عرف نفسه فقد عرف ربّه». وأمّا كون النفس مصيّرا للإنسان إلى الهلكة والسوء فهوقوله تعالى «إنّ النّفس لأمّاره بالسّوء إلاّمارحم ربّي» [١] والاستثناء مفيد للالتجاء إلى حضرة ربّه، فبالجملة أنّ التعدّد الثابت للنفس مشعه بحدوثه وإمكانه و مشعر بكونه محدودا و معدودا و محصورا. وبديهيّ أنّ الحادث والممكن والمحدود والمعدود والمحصور لايكون واجبا بالذات وواجب الوجود، بل يكون واجبا بالغير و محتاجا إلى الغير، فحينئذ النفس من حيث هي نفس محصورة في ذاتها، فمن عرف نفسه بكونها محصورة ومحدودة بالحدّ والحصر، وعرف عدم خروجها عن التحدّد والحصر، عرف ربّه أنّه لايتصّف بهذه الصفات، فلذلك قال ـ عليه السلام ـ: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» وإلى ذلك أشار ـ عليه السلام ـ بقوله «تحدّ الأدوات أنفسها و تشير الآلات إلى نظائرها» [٢] أي الأدوات والآلات نفسها من حيث هي


[١] يوسف ٥٣/[٢] نهج البلا غه،ج٢،ص ١١٩،خطبه١٨٦؛التوحيد،ص٣٨،تحف العقول،ص٦٦؛ الاحتجاج،ج١، ص٢٢٩وج ٢،ص١٧٧؛بحارالأنوار،ج ٤،ص ٢٣٠وص٢٤٢وص٢٥٤و ج٧٧،ص٣١١