نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٥٥٨
التي تلمع ليلاً.
وهو خطأ، فإنّ الظلمة لا يمكن أن تكون شرطاً لصيرورة اللوامع مبصرة; لأنّ المضيء مرئي سواء كان الرّائي في الظلمة أو في الضوء، كالنار يراها الإنسان سواء كان في الظلمة أو في الضوء. و أمّا الشمس فإنّما لا يمكننا أن نراها في الظلمة; لأنّها متى طلعت لم تبقَ الظلمة.
فأمّا الكواكب واللوامع، فإنّما ترى في الظلمة دون النهار لغلبة ضوء الشمس على ضوئها، وإذا انفعل الحس عن الضوء القوي لم ينفعل عن الضعيف، وفي الليل لا ضوء غالب فيه على ضوئها فرؤيت.
وبالجملة فصيرورتها مرئية ليس لتوقف ذلك على الظلمة، بل لأنّ الحس في الليل لمّا لم ينفعل عن المحسوس القوي أمكنه إدراك الضعيف، وبالنهار يصير الحال بالعكس من ذلك، وهذا كما أنّ الهبَاء [١] الذي في الجو من جنس ما يمكن أن يرى في الضوء، ومع ذلك فإنّه لا يرى بسبب أنّ البصر إذا كان مغلوباً بضوء الشمس، وهو محسوس قوي لا يقدر على إدراكها، فأمّا عندما يكون في البيت لا منفعلاً عن الضوء القوي يمكنه إدراكها.
فظهر أنّ الظلمة ليست شرطاً في هذا الباب، بل السبب ضعف البصر عن إدراك الضعيف إثر القوي.
والتحقيق أن نقول: إن عنيت بكون الظلمة شرطاً، أن البصر لضعفه لا يتمكن من إدراك الضعيف الضوء نهاراً لغلبة ضوء الشمس عليه فهو مسلّم; لأنّ البصر كما احتاج في إدراكه للأشياء إلى الاستعانة بالضوء، كذا يحتاج في إدراكه لبعضها إلى حدّ من الضوء متى تجاوزه لم يحصل الإدراك، ولا نعني بالشرط سوى ذلك. وإن عنيت به أنّ تلك الأشياء في نفسها لا تكون مرئية في نفسها، فهو باطل.
[١] الهباء: دقائق التراب المنثورة على وجه الأرض. لسان العرب ١٥:٢٣.