نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٥٣٧
واحد من أجزائهما شفافاً خالياً عن اللون، لعدم السطوح المختلفة في ذلك الواحد. وإذا عرض معها ما يوجب التزاق بعضها ببعض صار جسماً واحداً أبيض، كما في بياض البيض المسلوق فانّه قبل السلق كان له ضوء، ولم يكن فيه قابل ضوء، كما في الماء، وبعد السلق تعاكس الضوء بين ذي الضوء وبين قابله فحدث البياض.
والماء إذا كان مائعاً له سطح واحد كان له ضوء ولم يكن فيه قابل ضوء، فلم يكن فيه تعاكس. أمّا إذا تزبّد أو انجمد اجتمع فيه الأمران وحدث البياض. وفي بياض البيض المسلوق ما يوجب فيه مع ذلك الالتزاق والتماسك، فصار جسماً واحداً أبيض، ولم يمكن امتياز بعض أجزائه من البعض، فلا يظهر للمتأمل فيه سوى الجزء الواحد، كما في الثلج والزجاج، وهذا غير دافع للسؤال، كما تقدم.
والذي ذكروه لا نمنعه، لكن ندعي أنّ البياض قد يحصل على وجه آخر، وهو الاستحالة.
وأيضاً فلا طريق لنا إلى الجزم بأنّ بياض الناطف لمخالطة الهواء، وكذلك ابيضاض الجصّ ليس لما يفيده الطبخ من التخلخل وسهولة التفرق، وإلاّ لكان السحق والتصويل يفعلان فعل الطبخ في الجص والنورة، بل السبب فيه أنّ الطبخ يفيده مزاجاً يوجب ذلك الابيضاض.
وقولهم: الأسود غير قابل للبياض. إن عنوا به على سبيل الاستحالة بطل بالشيب والشباب [١] . وإن عنوا به على سبيل الصبغ احتمل أن يكون ذلك; لأنّ الصبغ المسوِّد لابدّ وأن يكون منه قوّة قابضة يخالطه وينفذ فيه، فإنّ السواد يحصل من اندماج أجزاء الأجسام الكثيفة بعضها في بعض، فإنّ الزاج في غاية النفوذ بحدّته، والعفص في غاية القبض وليس شيء منهما بأسود، فإذا امتزجا نفذ الزاج
[١] والعبارة في المصدر نفسه من الشفاء هكذا: «فان عنوا على سبيل الاستحالة فقد كذبوا وممّا يكذبهم الشباب والشيب». وقريب منها في المباحث المشرقية ١:٤٠٩.