نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٤٨٠
ب: التكثف والسَّيلان والجمود والتفرق والجمع أفعال ثبوتية متقابلة، فلا يستند الواحد منها إلى الجسمية المشتركة، وإلاّ لاشتركت الأجسام فيه، ولا إلى أمر عدمي، لامتناع استناد الأثر الوجودي إلى المؤثر العدمي، فلا بدّ من كيفيتين ثبوتيتين لتكونا مصدرين للأفعال المتقابلة.
ولو قيل: المؤثر في التكثف هو الجسمية بشرط عدم الحرارة، لم يكن هذا أولى من أن يقال المؤثر في التسييل الجسمية بشرط عدم البرودة [١].
وفيهما نظـر: أمّا الأوّل فلأنّه إذا كان المدرك نفس الجسمية لم يجب ادراك الجسم الحار على حالة البرودة، لوجود أمر زائد على الجسمية مناف للحرارة.
قال أفضل المحققين: لا نسلّم أنّ العدم لا يحس به، فإنّ الأمر العدمي إذا كان مقتضياً لأمر غير ملائم، يحس به من جهة مقتضاه، كتفريق الإتصال، والجوع، والعطش، فإن كانت البرودة عدم الحرارة، وكانت الحاسّةُ محتاجة إلى حرارة تعدل مزاجها، فعدم تلك الحرارة يقتضي أمراً غير ملائم فيها فيحس به. ولم يقل أحد إنّ عدم الحرارة هو الجسم، حتى يكون الإحساس بالجسم احساساً بالبرودة. والحق أنّ البرودة كيفية تضاد الحرارة، فإنّ مقتضاها كالتكاثف والثقل ضد مقتضيات الحرارة، كالتخلخل والخفة [٢].
وفيه نظر: فإنّ الضرورة قاضية بأنّ كلّ محسوس موجود، والعدم المقتضي لأمر غير ملائم لا نحس به، بل بالمنافي، كالألم عند تفرق الإتصال وعند الجوع وعند العطش. ولم يدعي المستدل أنّ عدم الحرارة هو الجسم، بل قال: إذا أدركنا الجسم البارد فهنا شيئان: الجسم المطلق والبرودة، فإن كانت البرودة عدم الحرارة، والعدم لا يحس به لم يبق المحسوس إلاّ الجسم المطلق. والاستدلال على كون البرودة كيفية مضادة لمضادة آثارها استدلال بالأخفى على ما هو ضروري.
[١] راجع المباحث المشرقية ١:٣٨٥; شرح المواقف ٥:١٨١.
[٢] نقد المحصل: ١٤٥ـ ١٤٦.