نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٣٩١
ثمَّ قد يقال لما يستقر عليه الجسم ويمنعه من النزول: إنّه مكان، ولمّا تأملوا الجسم الأسفل عرفوا أنّه بأجمعه ليس مكاناً للأعلى، إذ لو عدم الجسم ولم يبق إلاّ سطحه الحاوي لكان هو المكان، لأنّ الأعلى يمكنه أن يستقر عليه ويمنعه من النزول.
ثمَّ إنّهم يجعلون للسهم النافذ في الهواء مكاناً، وللطير الواقف في الجو مكاناً، وليس تحتهما ما يمنعهما من النزول، فيحصل من أقوالهم أنّ المكان هو السطح المماس الحاوي لوجود الأمارات الأربع المتفق عليها بين الجماهير فيه، فإنّ الجسم يحصل فيه، ولا يسع معه غيره، ويفارقه المتحرك بالحركة، ويقبل المنتقلات. وأيضاً القول بأنّ المكان هو البعد محال، فيكون هو السطح، إذ لا يعقل غيرهما. وبيان الأوّل من وجوه [١]:
الأوّل: لو كان المكان هو البُعد لزم التداخل، أو حلول المعدوم في المعدوم، أو حلول المعدوم في الموجود، أو بالعكس، أو مساواة الكل للجزء في المقدار. والأقسام بأسرها باطلة بالضرورة، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المكان لو كان هو البُعد لكان مغايراً لبُعد الجسم المتمكن بالضرورة، فإذا حلّ فيه فإمّا أن يبقى البُعدان كما كانا متميزين، فيكون الكلّ مساوياً لجزئه في المقدار، ضرورة عدم اتّساع الإناء بعد حلول الماء فيه، وعدم زيادة مقدار الماء باعتبار حلوله في الإناء، وإن لم يبقيا متميزين لزم التداخل. وإن حصل العدم، فإن عُدِما معاً لزم حلول المعدوم في المعدوم، وإن عُُدِمَ المتمكن لزم حلول المعدوم في الموجود، وإن عُدِمَ المكان لزم العكس.
الثاني: لو كان المكان هو البُعد لزم اجتماع بُعدين متماثلي الماهية في مادة
[١] راجع الفصل السابع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء ; المباحث المشرقية ١:٣٣٦ـ ٣٣٨.