نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٣٧٩
والثاني باطل أيضاً; لأنّ المقدار إذا كان لذاته محتاجاً إلى الموضوع استحال أن يستغني عنه بسبب عارض يحل فيه، ولا يجوز أن يكون غنياً بذاته عن الموضوع ويعرض له ما يحْوِجه إليه، لأنّ ما بالذات لا يزول بسبب العوارض.
والثالث باطل، لأنّ المقدار حينئذ يكون مادياً، مع أنّه قد فرض مجرّداً.
والرابع باطل، أمّا أوّلاً: فلتساوي نسبة المجرّد إلى جميع المقادير، فلا يقتضي تخصيص بعضها بالتجرّد والاستغناء، وبعضها بالحاجة والحلول في المادة. وأمّا ثانياً: فلأنّ المقدار حينئذ يكون لذاته محتاجاً إلى الموضوع، فلا يصير غنياً عنه بسبب غيره، كغيره من الأعراض.
اعتـُرِض [١] بمنع استحالة تجرّد بعض المقادير لذاته، وإن كان البعض الآخر قائماً بالموضوع، كما أنّ الحيوانية محتاجة إلى الناطقية في بعض المواضع دون البعض، فكما استغنت الحيوانية التي في الفرس مثلاً عن الناطقية، واحتاجت الحيوانية التي في الإنسان إليها، فليجز في بعض المقادير أن يحتاج إلى المادة ويستغني بعض المقادير في بعض الصور عنها.
وأُجيب بالفرق بين المقدار والطبيعة الجنسية، فإنّ الجسم طبيعة نوعية محصّلة وكذا السطح طبيعة أُخرى نوعية، والخط أيضاً كذلك، فلا يمكن أن يختلف مقتضى كلّ واحد منها بالحاجة والاستغناء المستندين إلى الذات باعتبار اختلاف المقارنات.
وأمّا الطبيعة الجنسية فإنّها أمر مبهم غير محصّل، وإنّما تتحصّل بفصولها التي تضاف إليها، وتتعيّـن بها عند العقل، ويكمل باعتبارها في العقل تصوّرها، كالمقدار المطلق الذي هو جنس للجسم والسطح والخط، فإنّه مبهم لا يفهم منه سوى أنّه شيء يقبل القسمة، لكنّ هذا المفهوم غير محصّل، ولا يكمل تصوّّره إلاّ
[١] راجع الفصل الرابع من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء; المباحث المشرقية ١: ٣١٩.