نهاية المرام في عـلم الكــلام - العلامة الحلي - الصفحة ٢٢٩
وفيه نظر، فإنّ المتكلّمين لم يقصدوا إثبات الحدوُث بالذات، بل قصدهم بالذات إثبات الصانع، ولمّا كان الطريق هو الحدوث، لا جرم قدّموا البحث عنه على البحث عن إثبات الصانع، ولم يكتفوا بالإمكان، لأنّهم وجدوا العالم لا يخلو عن الحوادث، وحكموا بأنّ ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، فلزمهم القول بحدوث العالم، ولمّا استحال إسناد الحادث إلى القديم الموجَب التام في الفاعليّة، وكان التسلسل محالاً، لا جرم أسندوه إلى الفاعل المختار، فحكموا بأنّ مؤثر العالم قادر.
وأفضل المتأخّرين لم يقصد بقوله: «إنّ المتكلّمين نفوا العلّة والمعلول» الإطلاق، لأنّهم يعترفون بثبوت التعليل في كثير من الأحكام والصفات والذوات أيضاً، بل قصد أنّهم ينفون العلّة والمعلول عن اللّه تعالى والعالم [١].
وأيضاً المتكلّمون لمّا نفوا المجرّدات الممكنة، وحكموا بأنّ كلَّ متحيّز بالذات أو بالعرض محدث، لبراهينهم التي استدلّوا بها، لزمهم أن يكون ما سوى اللّه تعالى وصفاته محدثاً، فلهذا لم يسندوا العالم إلى مؤثّر موجَب، بل إلى قديم مختار. و «أبو الحسين البصري» لم يقصد بالحال في العلم ما قصده «أبو هاشم»، بل الوصف الثبوتي.
وأمّا الفلاسفة، فإنّهم اتّفقوا على امتناع إسناد القديم إلى فاعل مختار يفعل بواسطة القصد والداعي، لأنّه ليس إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، مع إمكان توارد المشيئتين عليه، ولم يثبتوا قدرة واختياراً بهذا المعنى، بل بمعنى مقارنة فعله للعلم، مع عدم منافاته لذاته، ولا فارق بين فعله وفعل الطبائع الجسمانية عندهم إلاّ باعتبار مقارنة العلم وعدمه. فقد تقرّر من هذا، أنّ
[١] كذا في م، وفي ق: «و» محذوف.