الواضح في شرح العروة الوثقى - ط آل البيت - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٣ - إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة ثمّ آجر نفسه لآخر في تلك السنة مباشرة أيضاً
كانت مفوّتة لحق الغير - لمكان المزاحمة - فقد وقعت على وجه غير مشروع ، إذ إن الأجير وإن كان مالكاً لتلك المنفعة المضادة ، إلاّ أنه من أجل كونه محكوماً بوجوب الوفاء بالإجارة الاُولى ، فهو بطبيعة الحال ممنوع شرعاً من تسليم هذه المنفعة ، فيكون ما صدر منه من العمل على طبق الإجارة الثانية محرماً في ظرفه لا محالة ، وهو مانع من كونه مشمولاً لدليل وجوب الوفاء آنذاك ) . وبتعبير آخر : ( إن المنفعة الواقعة للإجارة الثانية وإن كانت مملوكة للمالك ، إلاّ أنه لم يكن له تمليكها للمستأجر من أجل المضادة للمنفعة الاُخرى الواقعة مورداً للإجارة الاُولى ومنافاته لحق الغير ) . ولكن هذا الوجه غير متجه ، لأن كون الإجارة الثانية مفوّتة لحق الغير - أي المستأجر الأوّل - إنما يبتني على صحة الإجارة الاُولى ، وهذا أول الكلام ، فإن المفروض أن الأجير يملك كلا المنفعتين المتضادتين ، فإذا ملّك كل واحدة لشخص فإما أن يبنى على أن دليل وجوب الوفاء بالعقود - الذي مفاده الإرشاد إلى الصحّة - مما لا مانع من شموله لكل من الاجارتين ، غاية الأمر أنه يقع التزاحم بين الحكمين التكليفيين المترتبين عليهما ، وهو وجوب تسليم كل من العملين المستأجر عليهما إلى مالكه ، وحيث إن زمان الواجبين - أي ظرف امتثال هذين التكليفين - واحد في محل البحث وهو موسم الحجّ ، والترجيح بالسبق الزماني في باب التزاحم على القول به إنما هو مع سبق زمان الواجب لا زمان الوجوب ، فعندئذ يكون مقتضى القاعدة هو الالتزام بالتخيير ، أي إن الأجير مخيّر في امتثال التكليف بوجوب تسلم العمل المستأجر عليه للمستأجر الأوّل أو وجوب تسليم العمل المستأجر عليه للمستأجر الثاني ، فإن امتثل أحدهما يكون بطبيعة الحال عاجزاً عن امتثال الآخر ، فيحق للمستأجر الآخر - سواء كان هو الأوّل أو الثاني - أن يفسخ العقد من جهة خيار التخلف عن التسليم ، ويمكنه عدم الفسخ ومطالبة الأجير بأجرة المثل للمنفعة المفوّتة . وإما أن يبنى - كما هو الصحيح - على أن دليل وجوب الوفاء بالعقود لا يمكن أن يشمل كلتا الاجارتين ، لأن الحكم الوضعي وهو الصحة لا يمكن تفكيكه عن الحكم التكليفي - وهو وجوب التسليم - المترتب عليه ، فلا محالة يقع التعارض في إطلاق دليل وجوب الوفاء بالعقود من حيث شموله للإجارة الاُولى وشموله للإجارة الثانية . ومن المعلوم أن السبق الزماني ليس من مرجحات باب التعارض ، فكيف يبنى على شمول الاطلاق للإجارة الاُولى دون الثانية ؟ ! بل مقتضى القاعدة عدم شموله لأي منهما فيحكم ببطلانهما جميعاً ، فعلى كل تقدير لا يتم مرام السيد الاُستاذ ( قدس سره ) من بطلان الإجارة الثانية فقط » « بحوث في شرح مناسك الحجّ ٨ : ٥٩٦ - ٥٩٧ » .
إذ يرد عليه أوّلاً : إن الإجارة المذكورة في كلام القائل من زيد ومن عمرو ليست من المنافع المتضادة .
وثانياً : أن ما كان فيه من المنافع المتضادة كما لو آجر نفسه للحجّ مباشرة هذه السنة عن زيد وآجر نفسه للخياطة مباشرة في موسم الحجّ كله من عمرو ، فبما أن الأوّل حين صدوره لم يكن هناك مانع من شمول أدلة وجوب الوفاء بالعقد له فتشمله ، بينما الإجارة الثانية هناك مانع من شمول أدلة وجوب الوفاء لها فلا تشملها ، فلا محيص من القول بصحّة الإجارة الاُولى وبطلان الإجارة الثانية حتّى بناءً على ملكية المنافع المتضادة . ويتضح أيضاً عدم صحّة القول بأن دليل وجوب الوفاء بالعقد لا يمكن أن يشمل كلتا الاجارتين ، وأن عدم شمول وجوب الوفاء لكلا العقدين والاجارتين إنما يختص بما إذا اقترنت الاجارتان ، كما إذا آجر نفسه هو بالإجارة الاُولى وآجره وكلية بالإجارة الثانية وكانت الاجارتان متقارنتين ، لا ما إذا تعاقبتا .
وثالثاً : لو كانت الإجارة الثانية حين صدورها مقتضية للصحّة أيضاً ويتخير بين الاجارتين ، أو بانضمامها