رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق - جان بابتيست تافرنييه - الصفحة ٤٢ - الطريق بين حلب وأصفهان ، عبر ما بين النهرين وبلاد آشور ، وهو الطريق الذي سلكته في رحلتي الثالثة إلى الهند وجزرها
وصولنا إليها. فطلبت أن تنصب خيمتان في الميدان ، أي في السوق [١] الكبيرة.
ويجدر بنا أن نتكلم قليلا على ما بين نهري دجلة والفرات من تباين في مجراهما ومياههما. فقد لاحظت أن ماء الفرات يبدو محمرا قليلا ، وأن تياره ليس سريعا كتيار دجلة الذي يظهر مائلا إلى البياض كنهر اللوار [٢]. أما عن مجراهما فالفرات أطول من دجلة. والآن دعنا نقطع دجلة فوق جسر من القوارب [٣] لمشاهدة الخرائب الكئيبة لمدينة نينوى التي ملأت العالم ضجيجا ، وليس في مظهرها الآن ما يدل على سابق مجدها.
شيدت نينوى على الضفة اليسرى لدجلة ، أي في الضفة الأشورية. وهي الآن ليست إلا أكواما من التراب تمتد نحو فرسخ بامتداد النهر. ويرى فيها عدد من الأقبية والمغاور غير المأهولة [٤]. ويصعب على الإنسان أن يعلم ما إذا كانت هذه بعينها المساكن القديمة في المدينة ، أم كانت هنالك بيوت مشيدة فوقها في الأزمنة الخالية. لأن معظم البيوت في البلاد التركية تشبه السراديب ، أو لا تتألف إلا من طبقة واحدة عالية. وعلى نصف فرسخ من دجلة تل تشتتت على سطحه بيوت وفي قمته مسجد يذهب أهل تلك البقعة إلى
[١] ما زالت «محلة الميدان» و «سوق الميدان» معروفتين مأهولتين في الموصل. وهذه السوق تمتد بموازاة دجلة ، من مشرعة شط القلعة إلى الجسر الحديدي الجديد. وبينها وبين النهر نحو مائتي متر.
[٢] اللوار من أنهار فرنسا.
[٣] كان للموصل منذ أقدم عصورها إلى يومنا هذا ، جسر يصل ما بينها وبين شاطئ دجلة الأيسر. وهو جسر خشبي من القوارب ، يجدد كلما ناله البلى. ولكن هذا الجسر الخشبي البسيط ، استعيض عنه ، سنة ١٩٣٣ بجسر حديدي مكين راسخ الدعائم.
[٤] لم نفهم مراد المؤلف بقوله «الأقبية والمغاور» فهل يدل ذلك على حفريات وتنقيبات في نينوى منذ ذلك العهد؟ مع أن المعروف بين علماء الآثار ، أن الحفريات في نينوى لم تبدأ إلا في سنة ١٨٤٠ م وأن معظمها تم بشق الأنفاق في باطن التل لاستخراج الآثار منه ، ولا تزال معالم هذه الأنفاق تشاهد وكأنها أقبية ومغاور.