ترحال في الجزيرة العربية - جون لويس بوركهارت - الصفحة ١٢٧ - وصف المدينة المنورة
الذى لم يستطع تخليص نفسه من الانطباعات السابقة ؛ لم يزل سعود الغطاء القماشى المقصّب عن القبر ، ولم يزل أيضا الستارة التى تلف القبر. يقال إن الأحلام أزعجته أو كفت يده عن المقدسات ، واحترم سعود أيضا قبر ستنا فاطمة بالقدر نفسه ، لكنه من ناحية أخرى ، حطم وبلا استثناء ، بنايات المقبرة العامة كلها ، التى دفن فيها الكثيرون من الصحابة والأولياء ، كما دمر شواهد القبور وأحجارها الزينية ، اعتقادا من الرجل أن حجرا بسيطا يكفى تماما لستر جثمان الميت.
والوهابيون عند ما يحرمون زيارة القبور ، لم يعنوا مطلقا وقف زيارة المسجد. هذا المبنى الذى بناه النبى ٦ ، بعد هجرته الشريفة من مكة ، وهو الذى أرسى الأسس الأولى للإسلام ؛ لذا عده الوهابيون أهم وأقدس بقاع الأرض ، بعد بيت الله الحرام فى مكة كان سعود قد أصدر فى مرة من المرات أوامره بعدم السماح للحجاج الأتراك ، الذين ظلوا يتوافدون من ينبع إلى قبر النبى ٦ حتى بعد توقيف قوافل الحج المنتظمة ، بدخول المدينة المنورة ، وقد أمر سعود بذلك لمنع ما أسماه دعاءهم الوثنى ؛ وهذا الإجراء كان من الصعب تنفيذه دون استبعاد هؤلاء الحجاج أو الزوار من المسجد النبوى ، كان من رأى سعود أن ذلك المنع أو التحريم لا يصلح فرضه بالقوة ؛ ولذلك آثر سعود إبعاد الحجاج أو الزوار عن المدينة بحجة أن سلوك بعض الحجاج غير السوى هو الذى حتم القيام بهذا المنع. كان سعود نفسه ، ومعه أتباعه يقومون فى معظم الأحيان بزيارة المسجد الشريف ، وفى معاهدة السلام التى أبرمها عبد الله ، ولد سعود ، مع طوسون باشا فى عام ١٨١٥ م ، ورد النص صراحة على حتمية السماح للوهابيين بزيارة مسجد النبى ٦ (وليس قبره) دون إزعاج أو مضايقة.
زيارة المسجد النبوى عند المسلمين المخلصين هى مجرد عمل من أعمال الحسنات ولا علاقة لها بمناسك الحج المفروضة على المؤمنين ، ولكن هذه الزيارة شأنها شأن زيارة المسجد الأقصى ، وزيارة قبر سيدنا إبراهيم فى حبرون ، هى من الأشياء المقبولة عند الله (سبحانه وتعالى) ، وأنها تمحو كثيرا من الخطايا ، كما أنها تدخل الزائر ، فى الوقت نفسه ، ضمن شفاعة النبى للناس عند الله (سبحانه وتعالى) ،