ترحال في الجزيرة العربية - جون لويس بوركهارت - الصفحة ١٠٧ - وصف المدينة المنورة
على سائر مدن الشمال كلها ، الأمر الذى ساعد على أن تصبح المدينة مستوطنه عربية كبيرة قبل أن تصبح مدينة مقدسة عند المسلمين ، بعد أن هاجر إليها محمد ٦ وأقام فيها ، وتوفى فيها أيضا ، والناس هنا يسمون المدينة (المنورة) مدينة النبى.
وفرة المياه فى المدينة المنورة أدت إلى التقليل من أهمية استعمال الخزانات الصغيرة فى البلدة ، وأنا لا أظن أن هناك أكثر من منزلين أو ثلاثة منازل هى التى فيها مثل هذه الخزانات الصغيرة ، وذلك على الرغم من أن جمع ماء المطر لاستعماله فى الشرب يعد أمرا مطلوبا ومرغوبا فيه ، وبخاصة مياه السيول ، التى يفضلها الناس فى الشرب على مياه قباء النترية. فى موسم الأمطار الغزيرة يتحول المناخ الواقع بين الضواحى والمدينة إلى بحيرة كاملة ، وبذلك يغطى الماء المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية من المدينة. والسكان يرحبون بهذه الفيضانات باعتبارها مؤشرا من مؤشرات الوفرة والنعمة والخير ، لا من منطلق أن تلك المياه تروى نخيلهم ريا غزيرا وحسب ، وإنما لأنها تتسبب فى نشر الخضرة فى سائر أنحاء السهول البعيدة التى يسكنها البدو ، الذين تعتمد المدينة المنورة فى استهلاكها على ما تستورده من هؤلاء البدو ، من ماشية وزبد.
جوهرة المدينة (المنورة) الثمينة ، التى تضع هذه المدينة المقدسة على قدم المساواة تقريبا مع مكة المكرمة ، بل وربما تفضيلها على مكة بعض الشىء ، من قبل كثير من الكتاب العرب (*) ، تتمثل فى الحرم النبوى الذى يحتوى على قبر محمد ٦. المسجد النبوى شأنه شأن المسجد المكى ، يحمل أيضا اسم الحرم ، من منطلق حرمته وعدم المساس به ، وأهل المدينة هم الذين يطلقون دوما كلمة «الحرم» على المسجد النبوى ، فى حين يعرف الناس هذا المسجد فى الأماكن الأخرى غير المدينة (المنورة) باسم مسجد النبى ٦ الذى كان أول مؤسس له. والمخطط الذى أولاه لذلك المسجد يوضح أن هذا المسجد يقع فى أقصى الطرف الشرقى من المدينة
(*) هذا يظهر بشكل واضح عند المالكية ، الذين يقولون : إن المدينة المنورة ، يتعين تكريمها على نحو أكبر من مكة.